الأرشيف الشهري: سبتمبر 2010

برة

من الأكيد أنني لن أكون أول من يخوض في هذا الموضوع ، وإلا فلتشهدوا لي بالعبقرية ، فكما أسلفت في حديث سابق أنني عشت خارج مصر لفترة طويلة ، تفوق قطعا ماقضاه الدكتور البرادعي خارج مصر ، وعليه فإذا كان هو غير مخول بالحديث عن التغيير لبعده عن أحوال المصريين ، فالمؤكد أنني آخر من سيسمح له بهذا الأمر ليس في مصر ولكن ربما في الكون كله .

إلا أنني أظن أن من حقي بما أني سأعيش في هذا البلد ان أتحدث عن بعض السلبيات التي تخطف بصر العائد الجديد ، قبل ان يعتاد عليها ، خصوصا وأنني موقن بصعوبة أن أعتاد على بعض أنماط الحياة في مصر نظرا لأني قضيت طفولتي وشبابي وبداية كهولتي بعيدا نوعا ما عن هذه الأنماط ، ولم نقابل أسوأها إلا مع المصريين الوافدين حديثا لعالم الاغتراب.

ومع يقيني هذا إلا أنني أدعو الله ان ييسر لي بقائي هنا حتى لاأضطر ان أعود للاغتراب مرة أخرى .

المهم ان من أول ماصدم سمعي ان أهل المحروسة ، مازالوا يستخدمون كلمة (بره)، تلك الكلمة التي يشعر متلقيها بأنه يعيش ربما في حمام مضبب بالبخار ، أو دولاب مغلق عليه مع ملابس قديمة ، أوسجنا قضى فيه ردحا من الزمن .

كلما تقابل شخصا يسألك أنت جيت من بره امتى ، وتجد من يقول على زبالة الصين دي بتاعة بلاد برة ، حتى سائق التاكسي لو أخذ منك سيجارة يقول لك ياسلام على سجائر بلاد برة ، وغيرها الكثير الذي يشعرك كأنك بسم الله الرحمن الرحيم سقطت على كوكب خارج نطاق المجموعة الشمسية .

ماالذي يوجد (بره) ليس موجودا (جوه)، كما يوجد هناك بشر فهنا أيضا بشر ، وكما أن هنا استيراد وتصدير يوجد أيضا هناك ، وخط الإنترنت الواصل لهم لدينا مثله ، يوجد جوه كل مايوجد بره وربما أكثر ، وعندما أقول أكثر فليس من باب الفلسفة ، ولكنه بالفعل أكثر .

الفارق بين طرفي الخيط ، انهم أداروا مواردهم ، وبالمناسبة ليس بالمثالية المطلوبة فمازال في العالم هدرا للموارد كبير ، إلا أننا نهدر من مواردنا فوق المعدلات المرفوضة عالميا بمراحل .

سأعطيكم صورتين مألوفتين في الشارع المصري وربما هاتين الصورتين توضحان بشكل ما كيف نهدر مواردنا ، وسأصل لنتيجة ان هذا البلد يجب ان يكون لديه عجز في اليد العاملة وليس لديه بطالة كما هو حاصل الآن .

مازالت مصر التي شيد مهندسوها ربما دولا بأكملها ، مازالت تصر على استخدام الوسائل البدائية التي عفا عليها الزمن حتى في أشد دول العالم فقرا وتخلفا كما يحلو لبعضنا أن يتخيل بلادا تركب الافيال

مازال نجار المسلح يتباهى بصنعته ، ويفرض شروطه ويتكلم من طرف مناخيره لأنه مقتنع أنه يعمل عملا مفيدا ، لقد قضيت أياما أشاهد كيف يبنى طابق متكرر في عمارة سكنية عادية ، لقد قضوا في شد الأخشاب مايزيد على الخمسة عشر يوما ومازالوا حتى الآن ، لم أجد في يد واحد منهم الرسومات الإنشائية ، ولم أجد واحدا منهم يأخذ مقياسا أو يحمل ميزان ماء ، هذا بالاضافة لصور التخلف المتمثلة في رص عروق الخشب كمن يصنع صندوقا لتخزين الخضروات ، وعندما استفسرت ألا توجد في مصر سقالات حديثة وأوناش ومعدات قياس ، كان الجواب الغريب أنها موجودة ولكن تستخدم في المشاريع الكبيرة فقط نظرا لتكلفتها العالية ، وهذا من الغريب في الأمر أن القائمين على تنفيذ هذا البناء قاموا بحساب تكلفة تأجير المعدات ولم يحسبوا تكلفة طول مدة المشروع ، وصارت أقل بنود التكلفة في هذا المشروع هي تكلفة اليد العاملة وهي ليست رخيصة فيوميتها قليلة إلا ان مجموع أيام العمل يجعلها ثروة مهدرة ، لذا فقد أقنع المقاول السوق بأن عشرة أشخاص قادرين على رفع بناء من أحد عشر طابقا دون استخدام معدات .
وعندما استفسرت عن سعر بيع المتر في العمارة وقمت بحسبة بسيطة وجدت ان هذه العمارة في نهاية الأمر ستباع قريبا من ضعف سعر التي في نفس حجمها في الإمارات مثلا، مع فارق المواصفات من مواد مستخدمة ، وعوازل ، ومعدات كهربية وميكانيكية وتكييف مركزي ، وتوصيلات هواتف وتلفاز ، وغيرها الكثير.

وإذا نظرنا لطول فترة التنفيذ التي تصل لسنوات ، أضف إلى ذلك معاملات الدقة ، وأيضا معاملات الرقابة والتفتيش والجودة وغيرها نجد أننا نخرج في النهاية منتجا منحرفا عن هدفه الرئيسي بدرجات كثيرة أبسط مافيه ان إحدى واجهاته أو أكثر ستترك مكشوفة لأن الأرض تطل على جار ربما يبني عمارة مجاورة ، فلا حاجة لتكسية الواجهة ، وكأن هذه التكسية جمالية فقط وليست للحماية وخفض استهلاك الطاقة وغيرها الكثير ، لا أقارن بين صورتين ففي كل سوق توجد مساوئه وانحرافاته ، لكن ان استلم بناء يظل سكانه يكتوون بمتطلبات إصلاحه منذ اليوم الأول ولمدة خمسة عشر عاما ، وهو البناء الذي قضى مقاوله أحد عشر عاما في تنفيذه كما في البناء الذي أسكن فيه. فهذا من نواءب الدهر .

أنا لا اتخيل كيف ان كل المهندسين الذين يعملون (بره) عندما يدخلون (جوه) يمسحون كل ما اختزنته ذاكرتهم من خبرات ويعودون لشغل الفهلوة والثلاث ورقات بدعوى ان الزبون عايز كده ، وهو لم يكلف نفسه في يوم ان يقنع هذا الزبون بجدوى استخدام أساليب البناء الحديثة ، وبالمناسبة ماأتحدث عنه ليس حديثا جدا فلو تحدثت عما هو حديث لفغر المهندسون هؤلاء أفواههم ، صدمة وكمدا وحسرة ، والغريب ان المجلات والدوريات العلمية موجودة في قاعات استقبال المكاتب الاستشارية وشركات المقاولات ، ولم يفكر واحد ممن يعملون في هذا المكتب أن يدرس كيفية استخدام أحد هذه الاختراعات الصاروخية التي توجد في مجلة صدرت قبل خمس سنوات ، وبالمناسبة موضوع المجلة حقيقي في أحد المكاتب الاستشارية الكبيرة .

هذا الهدر في اليد العاملة والوقت والجهد والمال وهدر سرعة العرض لمواجهة الطلب ، تلك المصطلحات التي ندرسها في الجامعات ثم ننساها مع أول يوم بعد التخرج ، أقول كل هذا الهدر إنما هو هدر لمقدرات الأمة ، وتبديد للمال العام والخاص على حد سواء ، المشكلة أننا لن نجد من نقاضيه على هذا التبديد والاختلاس ، لماذا.. لأننا يجب ان نقاضي أنفسنا أولا .

الصورة الثانية صورة عامل التوصيل بإحدى شركات البريد الخاصة (كورير) في كل الدنيا لديه جهاز محمول متصل بشبكة الشركة ، بمجرد أن يسلم الرسالة يقرأ الجهاز الماسح بياناتها ويوقع المستلم على الجهاز نفسه ، وانتهى منذ زمن عهد (المانيفستو) ، والجهاز المحمول لم يعد اختراعا جديدا وأصبح لوجوده ضرورة ، لأن المرسل في أحيان كثيرة مرتبط بمواعيد قانونية ويحتاج ان يعرف وقت التسليم في لحظته وليس بعد ساعة أو يوم ، فما السبب في ان الموظف الذي رأيته لايحمل هذا الجهاز ، هل هو قصور في الشبكات ، أو قصور من وكيل الشركة ، أم من المسؤول عن التشغيل أم ان المندوب يتبع لمتعهد حر أم ماذا !!

نحن الذين نصبنا هذا (ال بره) إلها و جعلنا من سكانه كائنات لا نصبوا أن نكون مثلها لأننا في قرارة أنفسنا ارتضينا أن نكون أقل منهم ، وللأسف الشديد سلمنا قيادنا لمن أقنعنا بأننا أقل ، ليس القيادة السياسية ماقصدت ، وإن كان لها دور ولو ضئيل ، ولكن الذين خانوا الأمة في ذلك الأمر هم علماؤها ومتعلموها الذين تركوا جهالا يتحكمون في كيفية استخدام موارد الصناعة بحكم مالديهم من رؤوس أموال كل له مصدره الخاص ، ولم يعلموهم كيفية إدارة هذه الموارد ، كما لم يطلعوهم على الجديد في عالم إدارتها ، ولم يوصلوا لهم ان كل جديد ما أتى إلا بعد دراسة مستفيضة لتوفير الهدر في موارد الأمم ، المالية و البشرية المادية والمعنوية .

أما عن كيف انه يجب أن يكون لدينا عجز لا فائض في اليد العاملة ، فبعد ان يتعلم أصحاب رؤوس الأموال أن التكنولوجيا توفر و تضع عن كاهلهم الكثير مما سيعظم ربحيتهم ، سترتفع قيمة اليد العاملة المدربة ، وسينحسر الطلب على تلك الغير ماهرة مما يعيدها لمجالات هجروها منذ زمن ، هذا إن لم يكن لديهم القابلية للتطور لمجاراة احتياجات السوق الذي سيتغير بلا شك ، وعندها ستظهر انتاجات جديدة تغير وجهة نظرهم في ما ألفوه من مظاهر العمران ، وعندها ستتغير قواعد السوق مما يدفع كل من يعيش في سكن متهالك للتحول للطرز الحديثة وعندها يتحرك السوق لهدم القديم وإدخال وحدات حديثة للسوق ، وإذا سحبنا ماينطبق على العقارات – وعالمها الذي عقدناه بذوات أنفسنا – أقول إذا سحبنا ماينطبق عليها على باقي أسواقنا سنجد بعد برهة ان لدينا عجزا في اليد العاملة ، عندها ستكون أي زيادة في الأسعار لها مايبررها لأن قيمة اليد العاملة سترتفع .
صورة وردية ، لكنها قابلة للتطبيق بدليل دول جنوب شرق آسيا التي كنا نسبقها بعقود ، واليوم تسبقنا بقرون ، الفرق بيننا وبينهم انهم ليس عندهم الفهلوة وليس عندهم (برة) ولكن عندهم دليل إجراءات يؤسس له قبل ان يقدموا على أي عمل ، وينفذونه بحذافيره ، وفي نفس الوقت يعملون على تطويره .

أتمنى ان تكون أولى خطواتنا للتغيير ان نلغي كلمة (بره) وننظر ماذا في داخلنا

Advertisements

البعــــــــــــــــير (من قديم ماكتبت)

سنظل دائما ندين بمعارفنا لغيرنا ، وعندما تكون مستقاة من بشر فإن الأمر يتراوح مابين الفخر والقبول والخجل ، فأن تستقي المعرفة من نبي فذاك مدعاة لفخر ، وأن تستقيها من طفل فذلك غالباً مايكون مدعاة للخجل.

أما أن تستقي المعرفة من رؤيتك لحيوان ، فذلك والله عجب مابعده عجب .

اليوم انطلقت على طريق طويل بين مدينتين ، وكالعادة إذا لم يكن في نقطة الوصول مايشغل البال ، فإنك تطلق العنان لعقلك كي يعيش فترة من الحرية ، وتتوارد عليه الخواطر بسرعة قد تزيد عن سرعة انطلاق سيارتك ، وعندما يكون خاويا سواء من شدة الإرهاق أو من فرط الملل فإنه يكون مستعداً لالتقاط أي صورة ليبني عليها حكاية.

 

اليوم التقط عقلي صورة لبعير وربما ناقة فقد كان أو كانت جالسة فلم أستطع أن أحدد جنسها ولست خبيرا محنكا حتى أحدد من الوجه إن كان ذكراً أم أنثى ، ولذلك افترضت أنه بعير .

هذا البعير كان يجلس القرفصاء في صندوق سيارة لتحميل البضائع ، موجَها لمؤخرة السيارة ناظراً للذي يأتي من الخلف ، ولا أدري ما الذي دفعني للسير فترة خلف السيارة أو بمعنى أصح خلف البعير أتأمل في حاله ، وأول ماتبادر إلى ذهني هو إلى أين يذهب ، وكان الجواب الذي عن في خاطري أنه ذاهب لمذبحِه ، ربما ليكون ضيف شرف على مائدة عامرة محاطا بمجموعة من الجديان والشياه .

وتأملت في جلسته أتخيل هذا البناء الضخم كيف أقنعوه بالجلوس هكذا وهل أصعدوه إلى السيارة على منحدر مائل ، أو أنهم رتبوا ترتيبا آخر بحيث يكون صعوده أسهل عليهم لاعليه ، خصوصا وأنه يجب أن يصعد راجعا للخلف لأن دورانه فيه شبه استحالة داخل الصندوق.

ثم تأملت في وجهه ونظراته التي لاتنم عن شيء سوى أنه يقينا ليس مهتما بشيء ، بل هو كالمخدر ، لن يفيق من خدره إلا عندما يفتقد الجرعة التالية ، خصوصا وأنه في جلسته تلك مدبر للطريق ، لايرى إلا ما مضى منه ، غير آبه بما سيكون عليه الطريق ولو بعد برهة ، غير متذكر لما مر به قبل هنيهة ، الشيء الوحيد المؤكد ، أنه فقط يتابع أنفاسه التي تدخل وتخرج دون إرادة منه أو تصرف.

عندها قررت أن أتجاوزه وأسير في دربي ، وأترفع عن حال البعير ، إلا أنه أبى أن يتركني في حال سبيلي ، وكأن عقلي لم يصدق أن واتته فرصة يرهق نفسه بالفكر على كثرة مافيه ، وتذكرت كم منا نحن البشر يجلس جلسة هذا البعير ، الفرق أنه لايدري عن شيء ولايشغل باله شيء ، في حين أننا نكون في نفس موضعه مجبرين مكرهين ساخطين ، لاحيلة لنا ولاحول ، هو ينظر للفضاء خاوي الفؤاد لاه عن ما يحاك له ، مسلماً قياده لمن لايعلم عنه شيء ، ولا يملك من أمره شيء ، أما نحن فننظر تارة للوراء بحكم إدبارنا للطريق نتحسر على مافات ، ونتذكر أن هناك ماهو آت فنلوي أعناقنا ننظر للأمام فيلفخنا هواء ساخن محمل بالأتربة فيعيد عنقك حيث كان ميمماً شطر مافات ، تتجرع عليه الحسرات قلقاً مما هو آت ، راجياً المولى أن يرفع الغمة ويكشف الكربات.

عندها دمعت عيني عندما أيقنت أننا نسلم مصائرنا إلى أشباهنا بخواطرنا ، ونضع القيد في أعناقنا من أسباب أنفسنا ، وننسى أننا أعطينا كلنا نفس العطايا ، ومنحنا من السماء يوم خلقنا نفس الهبات ، إلا أننا دمرناها بأنفسنا ، أو تخلينا عنها لغيرنا بطوعنا ، أو ُأٌكرهنا على وضعها جانباً ولم نقاوم ولم ننتفض، وتخيلت أي كارثة قد يحدثها هذا البعير لو انتفض ، أما لو انتظر وآثر الوصول لمقصد صاحبه ، فإنه سيكون قد وضع السكين على نحره وانتهى.

عندها أفقت على خاطر أراد أن يخرجني مما أنا فيه ، وماأدراك أنه ذاهب لمذبحه ، فلربما كان ذاهبا لمضمار السباق ، أو عائدا من تدريب السباق ، أو ذاهبا لفحص الطبيب استعداداً للسباق أو غيرها من دواعي السباق ، وعندما يفوز ويستاهل الناموس ، يطيب بالزعفران ويأكل الطيبات ، وتذهب أنت بوافر الحسرات.

مسكين هذا الذي يتعود على القيادة على الطرق الطويلة

Posted with WordPress for BlackBerry.

الترامواي – الترام – الترماي كائن عجيب .. دليل نجاح وفشل ذريع

ولأني عائد من الخارج بعد طول غيبة ، فإني لم اقتن سيارة بعد ، وتحت إلحاح أردت ان أعيش عيشة أهلي واستخدم هذا الكائن العجيب ، وما أن صعدت إليه حتى بدأت اتفحصه كمن يتفحص دارا لم يدخلها من زمن بعيد ، فأردت ان أتأكد أنها كما تركتها ، أو لربما من عليها الزمان بزيادة أو جار عليها بنقص ، ووقعت عيني أول ما وقعت على لوحة ربما لم يلتفت إليها أحد وفيها إسم المصنع الذي هو ربما في اليابان وتحته تاريخ الصنع الذي هو العام ستة وسبعين من القرن الماضي ، أي ان عمر هذا الكائن خمسة وثلاثون عاما .
ومن خبرتي بأحوال إهلاك المعدات فإن العمر الافتراضي لهذه العربة قد مضى عليه على أقل تقدير عشرة أعوام ، وعندما افترض ان العمر الافتراضي خمسة وعشرون عاما من الاستخدام المثالي ، أي ان العربة لا تحمل إلا الجالسين فقط أما ان يكون عدد الجالسين أقل من نصف عدد القائمين ، فإن هذا بلا شك يؤدي لزيادة الحمل على التجهيزات ، وبالتالي تقليل العمر الافتراضي.

وهنا ارتسمت أمامي ثلاث صور، صورتي نجاح وصورة فشل ألقت بظلال قاتمة على الصورتين المضيئتين

وصورتي النجاح طبقا لترتيب حدوثها ،صورة نجاح ذلك المصنع ان يحتكر سوقا لمدة أربعة عقود يقع بينه وبين المصنع عشرات الآلاف من الأميال المليئة بالقفار والأودية والأنهار والبحار والجبال والحروب والشعوب والأسواق ، ليقدم منتجا صمد صمود الجبال أمام عوامل تفوق اعتى عوامل التعرية قوة وتدميرا ، وهو عامل البشر ، قدم منتجا مازال شاهدا على نشوء أجيال وانحسار أخرى ، فشهد بالتأكيد قصص حب نشأ عنها أجيال تذهب نساؤها على متنه لتلد أجيالا ثالثة ، كان شاهدا على أناس ركبوا متنه ، واليوم يمرون بجانبه مسرعين بسياراتهم الفارهة يتأففون من وجوده بعد ان من الله عليهم بالثروة والجاه.
صورة نجاح شعب يحلوا لنا من خيبتنا ان نقول أننا كنا متقدمين عنهم مئات السنين يوم خرجوا من حرب واجهوا فيها العالم واليوم يسبقوننا بملايين السنين الضوئية ، وربما لايعلم من صنع هذه العربات أو من يديرون هذا المصنع الآن انه مازال في بلد في العالم هذا الطراز من العربات لأن المؤكد انه لم يعد يصنع مثلها ، والآكيد انه لم يعد حتى يورد قطع غيارها ربما أكون مخطئا ولكن أصول علم التصنيع تقول بعضا مما أقول .

صورة النجاح الثانية هي صورة أولئك الذين مازالوا قائمين على تسيير هذا الكائن الكهل عمرا والهرم واقعا و يتأكدون كل يوم من ان لديه على الأقل الحد الأدنى من مقومات تشغيله ، ويقفون على جاهزيته في ظل ضعف مالديهم من إمكانات مادية ومعنوية ، وضعف الميزانية والخسائر التي يتكبدها نظام التشغيل كل عام بسبب سوء الادارة العامة .
هذا النظام التشغيلي الذي من المؤكد طبقا للتواريخ انه ليس وليد حكومة عشنا حقبتها ، وليس من إنجازات الخمسين عاما الماضية ، وإنما هو من عهد الملكية ، وليس هذا مدحا في أولئك أو ذما في هؤلاء، ولكنه تقرير حقائق يجب ان نقف أمامها ، فإن كان بحق هناك من يستحق وساما للفخر فإن من صنعوه أحق ، ومن شغلوه لهم كل الحق ، ومن وقفوا على صيانته لهم كل الشكر ونحني قاماتنا أمامهم قبل ان يمنح لهم الوسام من الطبقة الأولى .
وهذا ليس فقط لما قدموه لمليارات البشر الذين لو حسبنا عدد التذاكر التي أصدرت في كل عربة لقدرت بمئات الملايين ، وإنما نكرمهم لأنهم أثبتوا ان لدينا مازال هناك رجال قادرون على إدخال المليارات من الجنيهات للأمة من كومة حديد انتهى مع الشكر لها عمرها الافتراضي . كما وأنها طبقا للمعايير المحاسبية تساوي مايقارب الصفر في دفتر الأصول الثابتة للحكومة فللترام الشكر وللقائمين على تشغيله بالأصالة عن نفسي واستأذن مصر كلها ان أقول نيابة عنهم كل الشكر والعرفان والتقدير .

أما الصورة القاتمة التي ولوهلة الآن خطر ببالي ان أتراجع عن ذكرها حتى لا أشوه سردي السابق بها ، ولكني عدلت فهي صورة ذلك النظام الذي نحن من أتى به لأنه خرج من رحم خرجتنا كلنا ، وعندما أقول نظاما فلا أقصد به حتما ما يقصده أرباب المعارضة الذين يمرون على هذا الكائن الهرم بتأفف واستعلاء ، ولكني أقصد مصر كلها قيادة وحكومة وأحزابا وجماعات دينية وإصلاحية وتغييرية وإعلاما وحتى الشعب نفسه من له منهم ومن عليه.
لقد تقزمتم أمام هذا النجاح ، وأنا معكم لقد خنا جميعا عطية الله بأن نوجد على هذه البقعة ، لقد أمسك كل واحد منا بإزميل هدم يهدم به ليس مايخصه فحسب ، ولكن ما يخص أجيالا مضت ، والأنكى أننا لم نسلب حق الأجيال القادمة فحسب ، ولكننا نعمل بجد ويقين ان نترك لها حطاما ستدفع مما لاتملك لمن يأتي ويرفعه لها ، بالله عليكم هل تخليتم صورة بهذه القتامة ، عفوا فالقتامة قد تكون إلى زوال ، هل تخيلتم صورة بهذه اللعنة ، هل تخيلتم شعبا يجاهد ليئد حاله وعياله .
إذا كنا جميعا تقزمنا أمام هذا الكائن الهرم ، وأمام صانعيه ومشغليه والقائمين على صيانته فماذا بقي لنا .

بقي لنا ان نقول أننا تقزمنا أمام نظام زراعي عملاق يحاربه كل من هب ودب بجهل وبعلم ومازال كل يوم يصر على ان يقف صامدا أمام هجمات البشر المتزايدة من كل حدب وصوب ، ومازال يصر على تقديم ثلاث وجبات كل يوم لثمانين مليون انسان لو فتح أصغرهم فاه للحظة لأكل أكل ألف جرادة أو مائة عصفور ومازال الجراد والطير والحيوان يلج لهذا النظام الزراعي يشاركنا فيه وهو صامد ، ولكن يطلع علينا كل يوم من يصر على عدم قدرتنا على الاكتفاء ذاتيا في الزراعة.

وكما تقزمنا أمام الترام والزراعة تقزمنا جميعا أمام أحجار وآثار خلفها من سبقونا على هذه الأرض وبقدر ماسرق منها اللصوص منذ فجر التاريخ مازلنا نكتشف كل يوم كنوزا ، وبرغم فشلنا في حمايتها وفشلنا في توفير المكان المناسب لعرضها ، إلا ان العالم كله مازال يأتينا ليطلع عليها بل ويحج إليها ، ومازالت تدر علينا من المال الكثير .
وتقزمنا كما تقزمنا أمام ماتقدم تقزمنا أمام ثقافة الهواء أو لنقل الفضاء من مجرد كلام وأحاديث تسعة وتسعون في المائة منها هراء تجمع شركات الاتصال والفضائيات المليارات من مجرد قطع بلاستيكية لا تتجاوز تكلفة الواحد منها على أقصى تقدير عشرة دولارات ويشتريها المستهلك أحيانا بالآلاف ويدفع في استخدام مابين قليل وكثير حتى تصل فاتورة البعض لعشرات الآلاف شهريا .

الترامواي الذي تقزمنا كلنا أمامه أثبت أننا نتقزم بخواطرنا أمام كل ما يعرض لنا وهذا غيض من فيض

فإلى متى أيها الترامواي ستجعلنا اقزاما رغم أنوفنا .

Posted with WordPress for BlackBerry.

هل العالم بهذه البساطة ؟

في كل يوم يبسط العالم إجراءات تنفيذ الأمور ، ما يعني ان شخصا مثلي واقفا في شرفة منزله بالإسكندرية ممسكا بهاتفه النقال يتمكن من الكتابة إلى أي شخص في العالم بل ويترك بصمة ربما تأتي بأفكار لأناس لا يعرفهم وربما يكتب هراء لا يقدم ولا يؤخر.
اليوم وخلال بحثي عما هو جديد في عالم الفضاء الإلكتروني وقعت عيني على هذا الموقع الذي اكتب إليكم من خلاله مستخدما هذا الهاتف النقال الصغير الحجم .

كنت دائما أقول أن من أسوأ ماقد يبتلي الله به إنسانا ان يأخذ منه نعمة الانبهار ، فالإنسان الذي يتوقع دائما كل جديد ، يفقد هذه النعمة ، ويصبح كل جديد عادي أمامه ، وربما يكون فقدان هذه النعمة سببا في ان يفتح مجالات جديدة أمامه وأمام المحيطين به وربما البشرية . ولأني فقدت هذه النعمة منذ زمن بعيد فقد أصبحت مؤمنا بأن كل شيئ موجود وكل شيء ممكن فصرت أبحث عن أشياء بعينها ما ألبث ان أجدها .

نعاني في عالمنا الثالث مما يسمى تجاوزا البيروقراطية ، ونجد ممن يدورون في فلك النظام البيروقراطي من هم متخصصون في حل المشاكل التي تواجه المتعاملين معه ، ونجد منهم من كلما أراد ان يحل مشكلة اضاف لها خطوات وإجراءات جديدة تتسبب في زيادة التعقيد .
وتأتي المشكلة المراد حلها بمشاكل جديدة تخرج من رحم المشكلة الأم ، التي ماتلبث ان تنسى وينشغل خبراء جدد في حل الفرعيات ناسين جوهر المشكلة ، وتزداد الأمور تعقيدا عندما تتقاطع هذه الحلول الوهمية مع حلول لمشكلات أخرى وهمية.

وفي خضم هذا التوالد للمشكلات ، بتخبط المستفيد النهائي ، مما يؤثر على إنتاجيته في نقطة عمله التي على قدر ما تحتوي من مشاكل تستعصي على الحل ، على قدر مايؤثر تخبط المسؤولين عنها في مشكلات بعيدة عنها ومشكلات متعلقة بها في إنهاءها ، مما يؤدي لتخبط المجتمعات .

لماذا لا نصل في تبسيط الاجراءات الحد الذي يواكب ما أقوم به الآن ، من هاتفي أستطيع ان انشر ما أريد دون رقيب أو حسيب ، ودون تأخير أو حذف أو إضافة ، لماذا لا نفكر كيف نجعل هذا الهاتف البسيط الذي أصبح كل شيئ عدا ان يكون هاتفا ، وصار استخدامه في المحادثات الهاتفية آخر مهامه ، لماذا لا يكون هو وسيلة التعريف الشخصي يدلا من بطاقة الهوية ، ورخصة القيادة ، وبطاقة دخول النادي ، لماذا لا نفعل كونه وسيلة سداد أموال فبدلا من ان يحمل المرء حافظة أموال مكدسة بالأوراق الثبوتية والأموال والصور الشخصية ويحمل أيضا هاتفا نقالا للاتصال فقط وقد يفقد أحدها أو جميعها ويقضي أياما وقد يصل الأمر لشهور للحصول عليها ، أما الهاتف إن فقد فأمره سيكون سهلا مع سلسلة تبسيط الإجراءات لأن محتوياته ستكون محفوظة لدى المشغل ولدى أكثر من جهة أخرى ، يستطيع عندها بمجرد الحصول على هاتف جديد ان يسترجع كل ما فقده في هذه المضغة البلاستيكية .
هل يمكن للحياة ان تكون بهذه البساطة ، نعم وأكثر من ذلك بل يمكن للمستخدم ان يطلب جميع خدماته من الحكومة من هاتفه ويعفى من أهوال الذهاب لمقار الهيئات والجري في الشوارع ، والوقوف في الطوابير ، بل وقد يصل الأمر لأبعد من ذلك قد تجرى عمليات التصويت والاقتراع وإبداء الرأي والاستفتاء والاستقصاء والتعداد السكاني من خلال الهاتف .
قد يكون سردي أحلاما في نظر البعض وقد يكون أوهاما في نظر البعض الآخر ، ولكن ليعلم هؤلاء وأولئك ان ماسردته موجود فرادى أو في مجمله في كثير من دول العالم بل وأكثر من ذلك بكثير مما لو سردته لسقط البعض صرعى مما قد يقرأون ، نعم الحياة أبسط مما نحن فيه بكثير .
تخيلوا لو أنا وصلنا لهذا الحد من البساطة وليس الرقي ، كم يدا عاملة سنوفر لزراعة القمح الذي يختلف أفراد النخبة الواحدة هل نحن قادرون على الاكتفاء ذاتيا منه أم لا ، وكم من أموال ستتوفر لتستغل في بناء منازل للكادحين الذين مع الوقت ستختفي طبقتهم بلا شك .

سنظل كما نحن ما دام منا من مازال يناقش هل الإنترنت حرام أم حلال ، ومازال من يتحدث عن النقاب والحجاب والسفور والحدود الشخصية والعيب والغيب والحرام والحلال ، ومادام كل يوم يأتينا من يشرع في الإسلام ما ليس فيه ويرفض من المسيحية مابها ، وهو لايعلم من هذا إلا اسمه ومن ذاك إلا رسمه .
سنظل كما نحن مادام الرجل لايقف عند حد مع امرأته ، ومادامت المرأة متخبطة مع زوجها تحت أوهام المساواة التي لم تستطع امرأة ان تضع مقياسا لتقدم المرأة أو تخلفها في ظل هذه الدعوات .
سيظل هذا التخبط قائما مادامت تأتينا قيادات لاتؤمن بنفسها قيل ان تؤمن بمن تقودهم وبحقهم فهذا أبعد مايكون عن فكر أي منهم سواء أسطوات أو مدراء ووزراء ورؤساء وحزبيين وإعلاميين ، أول مايخطر ببال احدهم ياترى كم يطول بقائي ؟ وكم أستطيع ان أجمع قبل ان تقوم قيامتي ؟ وكل من حوله يفكرون كما يفكر هو ، وتتسع دائرة الانتفاع حتى يسرق الوطن من الوطن قبل ان يسرق من أهله فكلهم شارك في ذبحه.
بالله عليكم هل يعقل ان الخالق يوم خلق الكون خلقه ليشقي به عباده ، أم خلق لهم سبل تبسيط أمورهم ، التي أوجدها يوم أوجدهم ، وسهل لهم سبل الوصول إليها حتى وصلنا لما نحن فيه اليوم ، لاأتحدث عن الخالق الذي أعرفه فقط بل أتحدث عن الخالق من منظور كل من يفكر في خالق ، حتى لو كان سديما كما يراه ، أو عدما كما يظنه البعض ، فأنا لست في معرض الحديث عن ماهية الخلق ولكني أتحدث عما في يدنا نحن ..
ان نجعل الحياة أبسط هل هذا عجيب ، هل هو كثير ، الأكيد ان الذي جعل هواء الإسكندرية يوصلني إلى ان اكتب لكم ماتقدم من هاتفي النقال ، سيجعلكم تفكرون كيف نبسط الحياة .

Posted with WordPress for BlackBerry.