البعــــــــــــــــير (من قديم ماكتبت)

سنظل دائما ندين بمعارفنا لغيرنا ، وعندما تكون مستقاة من بشر فإن الأمر يتراوح مابين الفخر والقبول والخجل ، فأن تستقي المعرفة من نبي فذاك مدعاة لفخر ، وأن تستقيها من طفل فذلك غالباً مايكون مدعاة للخجل.

أما أن تستقي المعرفة من رؤيتك لحيوان ، فذلك والله عجب مابعده عجب .

اليوم انطلقت على طريق طويل بين مدينتين ، وكالعادة إذا لم يكن في نقطة الوصول مايشغل البال ، فإنك تطلق العنان لعقلك كي يعيش فترة من الحرية ، وتتوارد عليه الخواطر بسرعة قد تزيد عن سرعة انطلاق سيارتك ، وعندما يكون خاويا سواء من شدة الإرهاق أو من فرط الملل فإنه يكون مستعداً لالتقاط أي صورة ليبني عليها حكاية.

 

اليوم التقط عقلي صورة لبعير وربما ناقة فقد كان أو كانت جالسة فلم أستطع أن أحدد جنسها ولست خبيرا محنكا حتى أحدد من الوجه إن كان ذكراً أم أنثى ، ولذلك افترضت أنه بعير .

هذا البعير كان يجلس القرفصاء في صندوق سيارة لتحميل البضائع ، موجَها لمؤخرة السيارة ناظراً للذي يأتي من الخلف ، ولا أدري ما الذي دفعني للسير فترة خلف السيارة أو بمعنى أصح خلف البعير أتأمل في حاله ، وأول ماتبادر إلى ذهني هو إلى أين يذهب ، وكان الجواب الذي عن في خاطري أنه ذاهب لمذبحِه ، ربما ليكون ضيف شرف على مائدة عامرة محاطا بمجموعة من الجديان والشياه .

وتأملت في جلسته أتخيل هذا البناء الضخم كيف أقنعوه بالجلوس هكذا وهل أصعدوه إلى السيارة على منحدر مائل ، أو أنهم رتبوا ترتيبا آخر بحيث يكون صعوده أسهل عليهم لاعليه ، خصوصا وأنه يجب أن يصعد راجعا للخلف لأن دورانه فيه شبه استحالة داخل الصندوق.

ثم تأملت في وجهه ونظراته التي لاتنم عن شيء سوى أنه يقينا ليس مهتما بشيء ، بل هو كالمخدر ، لن يفيق من خدره إلا عندما يفتقد الجرعة التالية ، خصوصا وأنه في جلسته تلك مدبر للطريق ، لايرى إلا ما مضى منه ، غير آبه بما سيكون عليه الطريق ولو بعد برهة ، غير متذكر لما مر به قبل هنيهة ، الشيء الوحيد المؤكد ، أنه فقط يتابع أنفاسه التي تدخل وتخرج دون إرادة منه أو تصرف.

عندها قررت أن أتجاوزه وأسير في دربي ، وأترفع عن حال البعير ، إلا أنه أبى أن يتركني في حال سبيلي ، وكأن عقلي لم يصدق أن واتته فرصة يرهق نفسه بالفكر على كثرة مافيه ، وتذكرت كم منا نحن البشر يجلس جلسة هذا البعير ، الفرق أنه لايدري عن شيء ولايشغل باله شيء ، في حين أننا نكون في نفس موضعه مجبرين مكرهين ساخطين ، لاحيلة لنا ولاحول ، هو ينظر للفضاء خاوي الفؤاد لاه عن ما يحاك له ، مسلماً قياده لمن لايعلم عنه شيء ، ولا يملك من أمره شيء ، أما نحن فننظر تارة للوراء بحكم إدبارنا للطريق نتحسر على مافات ، ونتذكر أن هناك ماهو آت فنلوي أعناقنا ننظر للأمام فيلفخنا هواء ساخن محمل بالأتربة فيعيد عنقك حيث كان ميمماً شطر مافات ، تتجرع عليه الحسرات قلقاً مما هو آت ، راجياً المولى أن يرفع الغمة ويكشف الكربات.

عندها دمعت عيني عندما أيقنت أننا نسلم مصائرنا إلى أشباهنا بخواطرنا ، ونضع القيد في أعناقنا من أسباب أنفسنا ، وننسى أننا أعطينا كلنا نفس العطايا ، ومنحنا من السماء يوم خلقنا نفس الهبات ، إلا أننا دمرناها بأنفسنا ، أو تخلينا عنها لغيرنا بطوعنا ، أو ُأٌكرهنا على وضعها جانباً ولم نقاوم ولم ننتفض، وتخيلت أي كارثة قد يحدثها هذا البعير لو انتفض ، أما لو انتظر وآثر الوصول لمقصد صاحبه ، فإنه سيكون قد وضع السكين على نحره وانتهى.

عندها أفقت على خاطر أراد أن يخرجني مما أنا فيه ، وماأدراك أنه ذاهب لمذبحه ، فلربما كان ذاهبا لمضمار السباق ، أو عائدا من تدريب السباق ، أو ذاهبا لفحص الطبيب استعداداً للسباق أو غيرها من دواعي السباق ، وعندما يفوز ويستاهل الناموس ، يطيب بالزعفران ويأكل الطيبات ، وتذهب أنت بوافر الحسرات.

مسكين هذا الذي يتعود على القيادة على الطرق الطويلة

Posted with WordPress for BlackBerry.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s