الترامواي – الترام – الترماي كائن عجيب .. دليل نجاح وفشل ذريع

ولأني عائد من الخارج بعد طول غيبة ، فإني لم اقتن سيارة بعد ، وتحت إلحاح أردت ان أعيش عيشة أهلي واستخدم هذا الكائن العجيب ، وما أن صعدت إليه حتى بدأت اتفحصه كمن يتفحص دارا لم يدخلها من زمن بعيد ، فأردت ان أتأكد أنها كما تركتها ، أو لربما من عليها الزمان بزيادة أو جار عليها بنقص ، ووقعت عيني أول ما وقعت على لوحة ربما لم يلتفت إليها أحد وفيها إسم المصنع الذي هو ربما في اليابان وتحته تاريخ الصنع الذي هو العام ستة وسبعين من القرن الماضي ، أي ان عمر هذا الكائن خمسة وثلاثون عاما .
ومن خبرتي بأحوال إهلاك المعدات فإن العمر الافتراضي لهذه العربة قد مضى عليه على أقل تقدير عشرة أعوام ، وعندما افترض ان العمر الافتراضي خمسة وعشرون عاما من الاستخدام المثالي ، أي ان العربة لا تحمل إلا الجالسين فقط أما ان يكون عدد الجالسين أقل من نصف عدد القائمين ، فإن هذا بلا شك يؤدي لزيادة الحمل على التجهيزات ، وبالتالي تقليل العمر الافتراضي.

وهنا ارتسمت أمامي ثلاث صور، صورتي نجاح وصورة فشل ألقت بظلال قاتمة على الصورتين المضيئتين

وصورتي النجاح طبقا لترتيب حدوثها ،صورة نجاح ذلك المصنع ان يحتكر سوقا لمدة أربعة عقود يقع بينه وبين المصنع عشرات الآلاف من الأميال المليئة بالقفار والأودية والأنهار والبحار والجبال والحروب والشعوب والأسواق ، ليقدم منتجا صمد صمود الجبال أمام عوامل تفوق اعتى عوامل التعرية قوة وتدميرا ، وهو عامل البشر ، قدم منتجا مازال شاهدا على نشوء أجيال وانحسار أخرى ، فشهد بالتأكيد قصص حب نشأ عنها أجيال تذهب نساؤها على متنه لتلد أجيالا ثالثة ، كان شاهدا على أناس ركبوا متنه ، واليوم يمرون بجانبه مسرعين بسياراتهم الفارهة يتأففون من وجوده بعد ان من الله عليهم بالثروة والجاه.
صورة نجاح شعب يحلوا لنا من خيبتنا ان نقول أننا كنا متقدمين عنهم مئات السنين يوم خرجوا من حرب واجهوا فيها العالم واليوم يسبقوننا بملايين السنين الضوئية ، وربما لايعلم من صنع هذه العربات أو من يديرون هذا المصنع الآن انه مازال في بلد في العالم هذا الطراز من العربات لأن المؤكد انه لم يعد يصنع مثلها ، والآكيد انه لم يعد حتى يورد قطع غيارها ربما أكون مخطئا ولكن أصول علم التصنيع تقول بعضا مما أقول .

صورة النجاح الثانية هي صورة أولئك الذين مازالوا قائمين على تسيير هذا الكائن الكهل عمرا والهرم واقعا و يتأكدون كل يوم من ان لديه على الأقل الحد الأدنى من مقومات تشغيله ، ويقفون على جاهزيته في ظل ضعف مالديهم من إمكانات مادية ومعنوية ، وضعف الميزانية والخسائر التي يتكبدها نظام التشغيل كل عام بسبب سوء الادارة العامة .
هذا النظام التشغيلي الذي من المؤكد طبقا للتواريخ انه ليس وليد حكومة عشنا حقبتها ، وليس من إنجازات الخمسين عاما الماضية ، وإنما هو من عهد الملكية ، وليس هذا مدحا في أولئك أو ذما في هؤلاء، ولكنه تقرير حقائق يجب ان نقف أمامها ، فإن كان بحق هناك من يستحق وساما للفخر فإن من صنعوه أحق ، ومن شغلوه لهم كل الحق ، ومن وقفوا على صيانته لهم كل الشكر ونحني قاماتنا أمامهم قبل ان يمنح لهم الوسام من الطبقة الأولى .
وهذا ليس فقط لما قدموه لمليارات البشر الذين لو حسبنا عدد التذاكر التي أصدرت في كل عربة لقدرت بمئات الملايين ، وإنما نكرمهم لأنهم أثبتوا ان لدينا مازال هناك رجال قادرون على إدخال المليارات من الجنيهات للأمة من كومة حديد انتهى مع الشكر لها عمرها الافتراضي . كما وأنها طبقا للمعايير المحاسبية تساوي مايقارب الصفر في دفتر الأصول الثابتة للحكومة فللترام الشكر وللقائمين على تشغيله بالأصالة عن نفسي واستأذن مصر كلها ان أقول نيابة عنهم كل الشكر والعرفان والتقدير .

أما الصورة القاتمة التي ولوهلة الآن خطر ببالي ان أتراجع عن ذكرها حتى لا أشوه سردي السابق بها ، ولكني عدلت فهي صورة ذلك النظام الذي نحن من أتى به لأنه خرج من رحم خرجتنا كلنا ، وعندما أقول نظاما فلا أقصد به حتما ما يقصده أرباب المعارضة الذين يمرون على هذا الكائن الهرم بتأفف واستعلاء ، ولكني أقصد مصر كلها قيادة وحكومة وأحزابا وجماعات دينية وإصلاحية وتغييرية وإعلاما وحتى الشعب نفسه من له منهم ومن عليه.
لقد تقزمتم أمام هذا النجاح ، وأنا معكم لقد خنا جميعا عطية الله بأن نوجد على هذه البقعة ، لقد أمسك كل واحد منا بإزميل هدم يهدم به ليس مايخصه فحسب ، ولكن ما يخص أجيالا مضت ، والأنكى أننا لم نسلب حق الأجيال القادمة فحسب ، ولكننا نعمل بجد ويقين ان نترك لها حطاما ستدفع مما لاتملك لمن يأتي ويرفعه لها ، بالله عليكم هل تخليتم صورة بهذه القتامة ، عفوا فالقتامة قد تكون إلى زوال ، هل تخيلتم صورة بهذه اللعنة ، هل تخيلتم شعبا يجاهد ليئد حاله وعياله .
إذا كنا جميعا تقزمنا أمام هذا الكائن الهرم ، وأمام صانعيه ومشغليه والقائمين على صيانته فماذا بقي لنا .

بقي لنا ان نقول أننا تقزمنا أمام نظام زراعي عملاق يحاربه كل من هب ودب بجهل وبعلم ومازال كل يوم يصر على ان يقف صامدا أمام هجمات البشر المتزايدة من كل حدب وصوب ، ومازال يصر على تقديم ثلاث وجبات كل يوم لثمانين مليون انسان لو فتح أصغرهم فاه للحظة لأكل أكل ألف جرادة أو مائة عصفور ومازال الجراد والطير والحيوان يلج لهذا النظام الزراعي يشاركنا فيه وهو صامد ، ولكن يطلع علينا كل يوم من يصر على عدم قدرتنا على الاكتفاء ذاتيا في الزراعة.

وكما تقزمنا أمام الترام والزراعة تقزمنا جميعا أمام أحجار وآثار خلفها من سبقونا على هذه الأرض وبقدر ماسرق منها اللصوص منذ فجر التاريخ مازلنا نكتشف كل يوم كنوزا ، وبرغم فشلنا في حمايتها وفشلنا في توفير المكان المناسب لعرضها ، إلا ان العالم كله مازال يأتينا ليطلع عليها بل ويحج إليها ، ومازالت تدر علينا من المال الكثير .
وتقزمنا كما تقزمنا أمام ماتقدم تقزمنا أمام ثقافة الهواء أو لنقل الفضاء من مجرد كلام وأحاديث تسعة وتسعون في المائة منها هراء تجمع شركات الاتصال والفضائيات المليارات من مجرد قطع بلاستيكية لا تتجاوز تكلفة الواحد منها على أقصى تقدير عشرة دولارات ويشتريها المستهلك أحيانا بالآلاف ويدفع في استخدام مابين قليل وكثير حتى تصل فاتورة البعض لعشرات الآلاف شهريا .

الترامواي الذي تقزمنا كلنا أمامه أثبت أننا نتقزم بخواطرنا أمام كل ما يعرض لنا وهذا غيض من فيض

فإلى متى أيها الترامواي ستجعلنا اقزاما رغم أنوفنا .

Posted with WordPress for BlackBerry.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s