برة

من الأكيد أنني لن أكون أول من يخوض في هذا الموضوع ، وإلا فلتشهدوا لي بالعبقرية ، فكما أسلفت في حديث سابق أنني عشت خارج مصر لفترة طويلة ، تفوق قطعا ماقضاه الدكتور البرادعي خارج مصر ، وعليه فإذا كان هو غير مخول بالحديث عن التغيير لبعده عن أحوال المصريين ، فالمؤكد أنني آخر من سيسمح له بهذا الأمر ليس في مصر ولكن ربما في الكون كله .

إلا أنني أظن أن من حقي بما أني سأعيش في هذا البلد ان أتحدث عن بعض السلبيات التي تخطف بصر العائد الجديد ، قبل ان يعتاد عليها ، خصوصا وأنني موقن بصعوبة أن أعتاد على بعض أنماط الحياة في مصر نظرا لأني قضيت طفولتي وشبابي وبداية كهولتي بعيدا نوعا ما عن هذه الأنماط ، ولم نقابل أسوأها إلا مع المصريين الوافدين حديثا لعالم الاغتراب.

ومع يقيني هذا إلا أنني أدعو الله ان ييسر لي بقائي هنا حتى لاأضطر ان أعود للاغتراب مرة أخرى .

المهم ان من أول ماصدم سمعي ان أهل المحروسة ، مازالوا يستخدمون كلمة (بره)، تلك الكلمة التي يشعر متلقيها بأنه يعيش ربما في حمام مضبب بالبخار ، أو دولاب مغلق عليه مع ملابس قديمة ، أوسجنا قضى فيه ردحا من الزمن .

كلما تقابل شخصا يسألك أنت جيت من بره امتى ، وتجد من يقول على زبالة الصين دي بتاعة بلاد برة ، حتى سائق التاكسي لو أخذ منك سيجارة يقول لك ياسلام على سجائر بلاد برة ، وغيرها الكثير الذي يشعرك كأنك بسم الله الرحمن الرحيم سقطت على كوكب خارج نطاق المجموعة الشمسية .

ماالذي يوجد (بره) ليس موجودا (جوه)، كما يوجد هناك بشر فهنا أيضا بشر ، وكما أن هنا استيراد وتصدير يوجد أيضا هناك ، وخط الإنترنت الواصل لهم لدينا مثله ، يوجد جوه كل مايوجد بره وربما أكثر ، وعندما أقول أكثر فليس من باب الفلسفة ، ولكنه بالفعل أكثر .

الفارق بين طرفي الخيط ، انهم أداروا مواردهم ، وبالمناسبة ليس بالمثالية المطلوبة فمازال في العالم هدرا للموارد كبير ، إلا أننا نهدر من مواردنا فوق المعدلات المرفوضة عالميا بمراحل .

سأعطيكم صورتين مألوفتين في الشارع المصري وربما هاتين الصورتين توضحان بشكل ما كيف نهدر مواردنا ، وسأصل لنتيجة ان هذا البلد يجب ان يكون لديه عجز في اليد العاملة وليس لديه بطالة كما هو حاصل الآن .

مازالت مصر التي شيد مهندسوها ربما دولا بأكملها ، مازالت تصر على استخدام الوسائل البدائية التي عفا عليها الزمن حتى في أشد دول العالم فقرا وتخلفا كما يحلو لبعضنا أن يتخيل بلادا تركب الافيال

مازال نجار المسلح يتباهى بصنعته ، ويفرض شروطه ويتكلم من طرف مناخيره لأنه مقتنع أنه يعمل عملا مفيدا ، لقد قضيت أياما أشاهد كيف يبنى طابق متكرر في عمارة سكنية عادية ، لقد قضوا في شد الأخشاب مايزيد على الخمسة عشر يوما ومازالوا حتى الآن ، لم أجد في يد واحد منهم الرسومات الإنشائية ، ولم أجد واحدا منهم يأخذ مقياسا أو يحمل ميزان ماء ، هذا بالاضافة لصور التخلف المتمثلة في رص عروق الخشب كمن يصنع صندوقا لتخزين الخضروات ، وعندما استفسرت ألا توجد في مصر سقالات حديثة وأوناش ومعدات قياس ، كان الجواب الغريب أنها موجودة ولكن تستخدم في المشاريع الكبيرة فقط نظرا لتكلفتها العالية ، وهذا من الغريب في الأمر أن القائمين على تنفيذ هذا البناء قاموا بحساب تكلفة تأجير المعدات ولم يحسبوا تكلفة طول مدة المشروع ، وصارت أقل بنود التكلفة في هذا المشروع هي تكلفة اليد العاملة وهي ليست رخيصة فيوميتها قليلة إلا ان مجموع أيام العمل يجعلها ثروة مهدرة ، لذا فقد أقنع المقاول السوق بأن عشرة أشخاص قادرين على رفع بناء من أحد عشر طابقا دون استخدام معدات .
وعندما استفسرت عن سعر بيع المتر في العمارة وقمت بحسبة بسيطة وجدت ان هذه العمارة في نهاية الأمر ستباع قريبا من ضعف سعر التي في نفس حجمها في الإمارات مثلا، مع فارق المواصفات من مواد مستخدمة ، وعوازل ، ومعدات كهربية وميكانيكية وتكييف مركزي ، وتوصيلات هواتف وتلفاز ، وغيرها الكثير.

وإذا نظرنا لطول فترة التنفيذ التي تصل لسنوات ، أضف إلى ذلك معاملات الدقة ، وأيضا معاملات الرقابة والتفتيش والجودة وغيرها نجد أننا نخرج في النهاية منتجا منحرفا عن هدفه الرئيسي بدرجات كثيرة أبسط مافيه ان إحدى واجهاته أو أكثر ستترك مكشوفة لأن الأرض تطل على جار ربما يبني عمارة مجاورة ، فلا حاجة لتكسية الواجهة ، وكأن هذه التكسية جمالية فقط وليست للحماية وخفض استهلاك الطاقة وغيرها الكثير ، لا أقارن بين صورتين ففي كل سوق توجد مساوئه وانحرافاته ، لكن ان استلم بناء يظل سكانه يكتوون بمتطلبات إصلاحه منذ اليوم الأول ولمدة خمسة عشر عاما ، وهو البناء الذي قضى مقاوله أحد عشر عاما في تنفيذه كما في البناء الذي أسكن فيه. فهذا من نواءب الدهر .

أنا لا اتخيل كيف ان كل المهندسين الذين يعملون (بره) عندما يدخلون (جوه) يمسحون كل ما اختزنته ذاكرتهم من خبرات ويعودون لشغل الفهلوة والثلاث ورقات بدعوى ان الزبون عايز كده ، وهو لم يكلف نفسه في يوم ان يقنع هذا الزبون بجدوى استخدام أساليب البناء الحديثة ، وبالمناسبة ماأتحدث عنه ليس حديثا جدا فلو تحدثت عما هو حديث لفغر المهندسون هؤلاء أفواههم ، صدمة وكمدا وحسرة ، والغريب ان المجلات والدوريات العلمية موجودة في قاعات استقبال المكاتب الاستشارية وشركات المقاولات ، ولم يفكر واحد ممن يعملون في هذا المكتب أن يدرس كيفية استخدام أحد هذه الاختراعات الصاروخية التي توجد في مجلة صدرت قبل خمس سنوات ، وبالمناسبة موضوع المجلة حقيقي في أحد المكاتب الاستشارية الكبيرة .

هذا الهدر في اليد العاملة والوقت والجهد والمال وهدر سرعة العرض لمواجهة الطلب ، تلك المصطلحات التي ندرسها في الجامعات ثم ننساها مع أول يوم بعد التخرج ، أقول كل هذا الهدر إنما هو هدر لمقدرات الأمة ، وتبديد للمال العام والخاص على حد سواء ، المشكلة أننا لن نجد من نقاضيه على هذا التبديد والاختلاس ، لماذا.. لأننا يجب ان نقاضي أنفسنا أولا .

الصورة الثانية صورة عامل التوصيل بإحدى شركات البريد الخاصة (كورير) في كل الدنيا لديه جهاز محمول متصل بشبكة الشركة ، بمجرد أن يسلم الرسالة يقرأ الجهاز الماسح بياناتها ويوقع المستلم على الجهاز نفسه ، وانتهى منذ زمن عهد (المانيفستو) ، والجهاز المحمول لم يعد اختراعا جديدا وأصبح لوجوده ضرورة ، لأن المرسل في أحيان كثيرة مرتبط بمواعيد قانونية ويحتاج ان يعرف وقت التسليم في لحظته وليس بعد ساعة أو يوم ، فما السبب في ان الموظف الذي رأيته لايحمل هذا الجهاز ، هل هو قصور في الشبكات ، أو قصور من وكيل الشركة ، أم من المسؤول عن التشغيل أم ان المندوب يتبع لمتعهد حر أم ماذا !!

نحن الذين نصبنا هذا (ال بره) إلها و جعلنا من سكانه كائنات لا نصبوا أن نكون مثلها لأننا في قرارة أنفسنا ارتضينا أن نكون أقل منهم ، وللأسف الشديد سلمنا قيادنا لمن أقنعنا بأننا أقل ، ليس القيادة السياسية ماقصدت ، وإن كان لها دور ولو ضئيل ، ولكن الذين خانوا الأمة في ذلك الأمر هم علماؤها ومتعلموها الذين تركوا جهالا يتحكمون في كيفية استخدام موارد الصناعة بحكم مالديهم من رؤوس أموال كل له مصدره الخاص ، ولم يعلموهم كيفية إدارة هذه الموارد ، كما لم يطلعوهم على الجديد في عالم إدارتها ، ولم يوصلوا لهم ان كل جديد ما أتى إلا بعد دراسة مستفيضة لتوفير الهدر في موارد الأمم ، المالية و البشرية المادية والمعنوية .

أما عن كيف انه يجب أن يكون لدينا عجز لا فائض في اليد العاملة ، فبعد ان يتعلم أصحاب رؤوس الأموال أن التكنولوجيا توفر و تضع عن كاهلهم الكثير مما سيعظم ربحيتهم ، سترتفع قيمة اليد العاملة المدربة ، وسينحسر الطلب على تلك الغير ماهرة مما يعيدها لمجالات هجروها منذ زمن ، هذا إن لم يكن لديهم القابلية للتطور لمجاراة احتياجات السوق الذي سيتغير بلا شك ، وعندها ستظهر انتاجات جديدة تغير وجهة نظرهم في ما ألفوه من مظاهر العمران ، وعندها ستتغير قواعد السوق مما يدفع كل من يعيش في سكن متهالك للتحول للطرز الحديثة وعندها يتحرك السوق لهدم القديم وإدخال وحدات حديثة للسوق ، وإذا سحبنا ماينطبق على العقارات – وعالمها الذي عقدناه بذوات أنفسنا – أقول إذا سحبنا ماينطبق عليها على باقي أسواقنا سنجد بعد برهة ان لدينا عجزا في اليد العاملة ، عندها ستكون أي زيادة في الأسعار لها مايبررها لأن قيمة اليد العاملة سترتفع .
صورة وردية ، لكنها قابلة للتطبيق بدليل دول جنوب شرق آسيا التي كنا نسبقها بعقود ، واليوم تسبقنا بقرون ، الفرق بيننا وبينهم انهم ليس عندهم الفهلوة وليس عندهم (برة) ولكن عندهم دليل إجراءات يؤسس له قبل ان يقدموا على أي عمل ، وينفذونه بحذافيره ، وفي نفس الوقت يعملون على تطويره .

أتمنى ان تكون أولى خطواتنا للتغيير ان نلغي كلمة (بره) وننظر ماذا في داخلنا

Advertisements

One thought on “برة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s