إستثناء الاستثناءات

الثورات حدث استثنائي ، وعندما تأتي في مكان وزمان إستثنائيين ومن رجال ونساء استثنائيون ، فإنها تكون ثورة شباب مصر
أما والثورة تتعرض لضغوط لإجهاضها ، فإننا جميعا يجب أن نتكاتف مستميتين لحمايتها والذود عن رجالها وبناتها الذين مازالوا يضعون أرواحهم على أكفهم في سبيل هذه الأمة ، التي عاشت عقودا بل ربما قرونا في غياهب تخلف حضاري ثوري.

لن أتحدث عن قيام الثورة ولا عما أحدثته في نفس المواطن المصري والعربي ، فالتاريخ سيفرد مجلدات بأكملها للحديث عن ذلك ، ولكني سأتحدث عن قيادة فلول المعسكر المقابل الذين هدفت الثورة لإزاحتهم ، فطار منهم من طار مبكرا ، واحتجز بعضهم ، وبقي منهم من بقي ، بعضهم توارى عن الأنظار ، ومازال كبيرهم مع ثلة منهم يكافح في سبيل البقاء .

لقد لعب النظام على وتر حساس ، وحقيقة فوجئت كثيرا عندما أفرد للعواطف هذه المساحة الكبيرة ، واتخذت محاولات الإجهاض في المرحلة الأخيرة أسلوب الإقناع العاقل المتباكي على تاريخ الرجل ، العسكري والمدني ، وكأن هذا النظام مازال لايفهم طبيعة هذه الثورة ، وطبيعة رجالها الذي أظهروا رحمة بالبلاد والعباد أكثر مما أبداها هو وأسلافه على مدار عقود .

هؤلاء عندما أخرجوا ثورتهم لم يكن في حساباتهم أنهم يواجهون رجلا له تاريخ عسكري ، فأكبرهم سنا لم يكن ليعي الأحداث يوم قام بالضربة الجوية التي مازال يصر على إذلال الشعب بها ، مع أن بعض المؤرخين ينكرون عليه ذلك ، أيضا كثيرون ممن قاموا بالثورة لايعرفون عن طابا – التي كانت آخر أرض استردها المصريون بالمفاوضات في عهده – إلا أنها أرض مصرية محرم على كثيرين منهم الدخول إليها .

إذا فالتاريخ العسكري ، وصورة الأب والجد ، وكبير العائلة ، وما إلى ذلك من ترهات الجدل المتخبط الذي أثبت يقينا أن هؤلاء ماهم إلا بقايا نظام هش ، أثخن بدن الشعب جراحا حتى استكان ، فظل النظام بغباءه ينكأ هذه الجراح ليتأكد من موت الشعب فما كان إلا أن تحرك إصبع يد واحدة ، أفزعت النظام ورجاله ، فهرب من هرب ، واختبأ منهم من واتته الفرصة ، ومازال جهابذتهم يصرون بغبائهم على بتر تلك الإصبع عل الأمور تعود إلى نصابها التي يعرفونها ، نعم لقد تحرك إصبع واحد من جسد هذه الضحية ، وهذا الإصبع حرك الدماء في عروق الأمة ، وقاوم الطغيان ، وتحسس كثيرا من جراح هذا الجسد ، ومازال ،لقد أعطوهم فرصة عمرهم للهرب ، ولكنهم بغبائهم الذي ماعهدنا غيره فيهم ظلوا مصرين على البقاء.

وحتى أدلل على جزء من هذا الغباء ، مالذي سيفعله مبارك يوم أن يجد تحقيقات الفساد ساقت من ضمن ما ستأتي من وقائع بأسماء زوجته المصون ، وولديه المراهقين فكريا وسياسيا وحتى في مجال الأعمال التجارية – الذي اقترح أحدهم يوما تحويل البلد إلى شركة مساهمة عامة – ، ماذا سيفعل ، بالطبع هم في دولة لا تسلم المجرمين خصوصا إذا كانوا يحملون جنسيتها ، وبالتالي إما أننا سنجده في غفلة منا غادر إلى غير رجعة مضحيا بالبلد ، وغير مكترث للفراغ الدستوري ، واضعا تاريخه العسكري تحت قدميه وأقدام العالم كله ، ولهذا قلت منذ أيام فراغ رئاسي الآن ونحن مستعدون له خير من فراغ دستوري سيحدث غالبا في الفترة من أبريل حتى سبتمبر وسيكون بفعل فاعل .

ولهذا عندما أفكر في هذا العناد الغريب الشكل من النظام على بقاء الرئيس في المشهد السياسي حتى إجراء انتخابات الرئاسة لاأجد إلا أننا أمام صور غريبة أحصي منها مايلي وقد تظهر صور أخرى لاحقا

– إما أن هذا الرجل مازال في وعيه ومصر على غيه وعناده بناء على تقارير مغلوطة من تلك التي “اعتادوا” أن يقدموها له كل صباح مع جرعات الدواء المخدر خصوصاً في ظل وجود الاستوديو الخاص الذي يقدم له نشرة أخبار خاصة كما كان يشاع سابقاً، ومن ناحية أخرى يقوم بأعمال الدبلجة لأحاديثه قبل أن تخرج للعلن .
– وإما أننا أمام مجموعة جديدة من الحالمين بإنهاء عملهم العام بمنصب يوضع في سيرتهم الذاتية ، مستغلين رجلا تخلت عنه عائلته قبل أن تتخلى عنه الظروف ، هذا إذا سلمنا بأننا نتعامل مع نفس الشخص الذي تولى الحكم في عام 1981 ، وليس كذبة كبيرة من أكاذيب السيدة الأولى وأبنيها ، وما أقوله هنا ليس بجديد فقد تداولته صحف أجنبية ، وتم تقديم بلاغات للنائب العام بأن الرجل في ذمة الله منذ 2004 ، ولم نسمع رداً عليها لا صحفياً ولا قضائياً ، وإن كان ما نقوله في هذا الصدد ضرباُ من الجنون ، فأين هي ضروب العقل في كل ماحدث ويحدث الآن ، وإذا كان النظام جاداُ في تبرئة ساحته من كل التهم الموجهة إليه ، فليثبت من ضمن مايثبت خطأ إدعائنا هذا ، وإن كان لايعلم كيف يكون ذلك فليكلف لجنة محايدة تقوم بمقارنة خط الرئيس يوم توليه الحكم مع خط الماثل أمامنا الآن ، كذلك إجراء فحص الحمض النووي له ولعائلته ،وما صدام وأشباهه المتعددين عنا ببعيد .
– أو أننا وللأسف الشديد أمام لوبي سياسي تجاري يتلاعب بنا كما اعتدنا أن يفعل بنا ، وهذا اللوبي يدير من الخفاء عجلة الحكم في إطار صفقة مع أقطاب النظام المتهالك مقابل استمرار استفادتهم من مقدرات هذا الوطن ، وفي جميع الأحوال ماستظهره الأيام القادمة سيكون كفيلا ليس بإزاحة الرئيس فحسب ، ولكن ربما يصل للمطالبة بإعدام أغلب أقطاب ورموز الحكم الذين مازالوا مصرين على البقاء ، مراهنين على عاملي الوقت ، وطيبة الشعب المصري.
إن أخشى ماأخشاه أن يتم استدراج الجيش إلى مواجهات ليس مستعداً لها ، فالفترة القادمة ربما تبدأ عمليات عسكرية بين مصر وإسرائيل حتى يتم تثبيت هذا النظام الهش بدعوى وجود مواجهات ، فإسرائيل هي المستفيد الوحيد من بقاء النظام على صورته الحالية ، خصوصاُ إذا علمنا أنها قد استبدلت رئيس أركانها خلال الأيام الماضية ، ولذلك أؤكد بأن الثورة لايجب أن تكون ميدان التحرير فقط ، وإنما هي في كل أركان مصر ، وكما ظهر شرفاء في ميدان التحرير فلابد أن يظهر الشرفاء في أرجاء مصر أنفسهم وأن يكفوا عن الهتاف والصراخ ، وأدعو خالصا مخلصا لإنشاء هيئة مستقلة متطوعة من شرفاء مصر بعيدة عن الهتاف والصراخ وبعيدة عن الإعلام تقوم بتحليل ودراسة ماحدث ويحدث وماسيحدث في مقبل الأيام، بعيدا عن لجنة الحكماء ، وأقترح أن تسمى هيئة الدراسات والبحوث ، تقوم بدراسات الرأي العام ، ودراسة تحركات وردود فعل الدول والمنظمات ومؤثرات الأحداث على العالم وعلى مصر ، وتقوم بوضع السيناريوهات لما سيحدث لأن الوضع قابل للالتهاب والانقلاب في أي لحظة ، ويكفينا أن نقرر أن مواجهات يومين أو ثلاثة أسفرت عن مئات الشهداء وأضعافهم من الجرحى ، بالإضافة للخسائر الاقتصادية لمصر والمنطقة ، فتقديرات خسائر المنطقة في الأيام الأربعة الأولى تجاوزت الثلاثة تريليونات دولار بسب تقلبات أسعار العملات والبترول والمعادن والعقارات والأسهم ، وبسبب تخفيض التصنيف الائتماني ، وغيرها من العقود التي تأجلت أو ألغيت .
أردت أن أسوق ماتقدم حتى يعلم الجميع أن الأزمة ليست الآن أزمة رئيس لانعلم حقيقة من هو ولا أين هو، وليست أزمة نظام هش مازال يكافح وينافح ليضمن البقاء لأطول فترة ممكنة ، وإنما هي أزمة أرض يقيم عليها شعب يطمع الجميع في أن يظل ملازما للصمت ، سهل القياد حتى يحمي بوابة إسرائيل الجنوبية ، ويبث روح الخور والخنوع في المنطقة ليسهل حماية باقي بواباتها ، والسبب ليس إسرائيل في حد ذاتها ، فما أسهل من إنشاء أكثر من إسرائيل في المنطقة ، وإنما بسبب الموقع الاستراتيجي الذي يسهل منه الوثوب على أي نقطة اضراب في العالم بالإضافة لمواردها الطبيعية .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s