إقتصاد اللصوص !!

الاقتصاد المصري محكوم بنظريات ثابتة مبنية على مدارس عفا عليها الزمن ، يتوارثها أجيال من الاقتصاديين الذين غالبا يسيرون في نفس الاتجاه ، رغم يقينهم بأنه أثبت فشلا ذريعا لعقود طويلة .

لا أتخيل عاقلا يرى فشلا في طريقته في التعامل مع الأشياء ويصر على المضي بها قدما ، ولا أتخيل عاقلا يرث تركة مهلهلة من أسلافه ثم يصر على معالجتها بنفس الأسلوب الذي تعامل به هؤلاء الأسلاف دون تغيير.

منذ فترة طويلة والبيروقراطية السلبية تصر على توجيه الفكر الاقتصادي ناحية زيادة الدعم ، ومساعدة الفئات الأشد فقرا، وكأنهم يصرون على إبقاء كل طبقة في محلها دون تغير ، ولم يتخذوا خطوات جادة في الارتقاء بالطبقات الدنيا.

هذا الفكر أدى بشكل حتمي إلى بقاء الفقير على نفس حاله ، وازداد الأمر سوءا عندما تناسل هذا الفقير ، مخلفا عددا من الفقراء ، يأكلون من حصة هذه الطبقة من الاقتصاد التي في ظل الزيادة المطردة في معدلات التضخم وتآكل العملة قلت كثيرا من حيث القيمة السوقية وسعر المستهلك عما كانت عليه قبل عقود.

المشكلة الأخرى أن بطبيعة الإنسان الذي يسعى دائما للارتقاء بأحواله المادية والاجتماعية فإنه يتخذ كافة السبل الممكنة وغير الممكنة للخروج من مأزق حياته ، فاتخذ بعضهم سبلا شريفة لم تسمن ولم تغن من جوع ، في حين اتخذ آخرون سبلا ملتوية للوصول للهدف المنشود ، وهو في النهاية يتمثل في الخروج من الطبقة المتعفنة التي يقبع فيها على حد تفكيره ومن هنا تنشأ كثير من السلوكيات الإجرامية ألأصيلة منها والتابعة.

لا ينفصل بحال من الأحوال الاقتصاد عن السياسة والاجتماع والتربية وكافة مناحي الحياة ، ولكن التفكير دوما في الاقتصاد في منأى عن هذه السياسات ، وحتى في كثير من الأحيان في منأى عن السياسة النقدية ، بل يصل الأمر لتكريس التفكير في النقد على مايوفر الموارد المالية للدعم يؤدي إلى بقاء الاقتصاديين دوما في نفس الدائرة المغلقة .

الاقتصاديون في مصر تعودوا منذ عقود طويلة على أنهم أمام مشكلة يجب حلها ، ودائما يأتي إكتشاف المشكلة متأخرا ، من منطلق “نقف على المشكلة” لنجد لها حلا ، تخيلوا معي قافلة تسير بين جبلين ، تنهال عليها الحجارة من عل ، وكلما سقط حجر تجمعوا كلهم عليه لرفعه ، مع أنه يكفيه شخصين أو ثلاثة فقط لإماطته عن الطريق ، وهذا مايحدث في النهاية والبقية مشجعون ومنظرون ، وحسنوا النية يدعون الله بالسلامة.

ولأن قائد القافلة محدود الفكر ، لم يتخيل أن الصدع الذي أدى لتساقط بعض الحجارة الصغيرة ممتد ومتزايد على طول الطريق ، ولم يفكر في لحظة أن يرسل مجموعة لاستطلاع الأمر بعد مسافة من الطريق ، ولم يفكر في أي بدائل أخرى غير هذا الحل الذي قد يؤدي لدفنهم جميعا في مكانهم.

الاقتصاديون ولأنهم يفكرون في منأى عن الباقيين ، أصبحوا هم قادة هذا الاتجاه الذي دوما يفكر في توفير المورد النقدي ، وليس تنمية المنبع النقدي ، وفصلوا أنفسهم عن السياسة النقدية الأصيلة ، واخترعوا لأنفسهم ماحسبوه سياسة نقدية وهي ليست كذلك ، وانصرف النقديون بالتالي لحل مشكلة الاقتصاد وهي في غير تخصصهم ، واختلط الحابل بالنابل حتى ظهر اتجاه مختلط يمزج النقد بالاقتصاد بالإدارة المالية بالمحاسبة بالإدرة بأنواعها ثم بالسياسة ، حتى ذابت قواعد كل علم في قواعد الأخر بينما يسعى علماؤه لقيادة المسيرة ، بعيدا عن روح الفريق التي تم تحطيمها في كل مجالات الحياة في مصر ، ما أدى في النهاية لظهور اتجاهات مشوهة لحل المشاكل الآنية بعيدا عن “التخطيط والتوقع، وبالتالي عشنا في تيه ، نبحث دوما عن “من يخرجنا منه ، لا عن “ما” يؤهلنا للرقي والتقدم.

بعيدا عن التنظير الفارغ الذي أصبح صناعة من كل من هب ودب ، وساهم الإعلام السطحي في تأجيجه ، يجب على من يتصدون لأمر الاقتصاد أن ينتخبوا من بينهم من يفكرون ويحللون الصورة كاملة بعيدا عن ضغط الإعلام ، وضغط المهل الزمنية القارصة ، يبحثون جذور الأزمة تاريخيا ، وصولا لما هو واقع اليوم ، وانتهاء بوضع خطط قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد ، تمتد زمنيا لخمسين عاما على الأقل ، وتمتد بحثيا لكل مناحي الحياة ، يناقشون الاقتصاديين الآخرين ، والنقديين والماليين والمحاسبين وأرباب المهن ، وعينات من طبقات المجتمع وصولا للأطفال ومايفكرون فيه.

لقد بذل الاقتصاد المصري جهودا طويلة في حقبة السبعينات والثمانينات للحفاظ على سعر العملة المصرية ، المحافظة تمت بمفهومها الضيق الذي انصب في غالبه على مراقبة تداول النقد الأجنبي ، ودخوله وخروجه وأسواق بيعه ، ولم يتطرق بشكل جدي إلى تأثير العملة الأجنبية -الصعبة!!- على ميزان المدفوعات ، والذي لو بحث بجدية لوصلنا إلى نتيجة أن هناك خلل في منظومة الإنتاج ، التي لو بحثت بشكل جدي لوجدنا المئات من أسباب الخلل فيها ، إبتداء من الجدوى الاقتصادية للمنتج مرورا بانخفاض الجودة ، وسوء الإدارة والفساد الإداري، وانتهاء بالفهلوة التي غزت كل جانب من جنبات حياتنا نحن المصريين.

لم يضع أحد في يوم من الأيام سقفا أعلى للدعم ، زمنيا أو نقديا ، وكأن القائمين يصرون على أن يظل المواطن دائما عالة على إقتصاده واقتصاد غيره ، دون أن يكون يوما أداة فاعلة في نمو هذه المنظومة ، واستمرار التعامل مع المواطن على أنه قاصر الفكر لايرتقي أبدا ، هو ما أدى لتخلف تفكير المواطن المصري ، حتى صدق مقولة أن مصر قليلة الموارد ، وصدق مقولة أن الزيادة السكانية هي سبب فشل منظومة الاقتصاد ، حتى صارت برامج تحديد النسل أحد بنود سرقة الموارد وهدم حلم كل مصري .

حتى لما جاء اليوم الذي علمنا فيه أننا طوال عمرنا أغنياء وأغبياء – أغنياء على اعتبار ما كان سيكون لولم تسرقنا عصابة ، سرقت حلم أجيال ، ودمرت صروحا لم تبن وأجهضت أمهات لم تحمل ، وأسالت دماء تجمدت في العروق رعبا حينا وقهرا أحيانا كثيرة ، وأغبياء لأننا بفهلوتنا المعهودة تركنا الحرامي يسرق المحفظة من الجيب الخلفي ، وخفنا عليه أن تدهسه العجلات لما حاول القفز من الحافلة- أقول لما جاء هذا اليوم تعاملنا معه بنفس طريقتنا المعهودة المملوءة ضبابية ، حتى أن خبراؤنا لم يصلوا حتى الآن للقيمة الحقيقية لما نهب منا ، حتى صدم البعض عندما قالت مفوضة الاتحاد الأوروبي أن نظام المخلوع أهدر خمسة تريليونات دولار في العقد الأخير من حكمه ، وأنا أقول في تقديرات سابقةعلى الثورة أن ماأهدر يصل في أقل التقديرات إلى عشرة تريليونات دولار خلال الخمسة عشر سنة الماضية ، داخلا فيها البعد النقدي ، والاقتصادي والاجتماعي ، بما فيها التلاعبات التي أثرت على دخل الفرد -الذي وصل الفشل أنه في حكومة واحدة وفي تقارير متزامنة إخلتفت من وزارة لأخرى والسبب فشل آخر من ضمن سلاسل فشل متتابعة هذا الفشل يتمثل في عدم وجود تعداد حقيقي لعدد سكان مصر ، فالرقم مبني على تقديرات توقفت منذ سنين عند رقم خمسة وثمانين مليون نسمة ، كأن الشعب قد توقف نموه منذ أن صدرت بطاقةالرقم القومي أول مرة – داخلا في رقم العشرة تريليونات أيضا التلاعب في أسعار العملة لمصلحة اللصوص ، وتأثيرها المباشر على سمعة العملة المصرية ، وتأثيرها على التصنيف الائتماني ضمن عوامل أخرى كثيرة ، أدت في النهاية لهروب الاستثمارات المصرية قبل الأجنبية .
وللذين لايعلمون ماقد تفعل التريليونات العشرة بمصر ، أقول لهم لقد كانت كفيلة بأن نجلس جميعا في بيوتنا ، وتشتري لنا الحكومة عبيدا -لوكان هناك عبيد- يهدمون البلد بأكملها ثم يعيدون بناءها من جديد ، ونتفرغ نحن لمتع الحياة ، وربما التعلم واستثمار الموارد الأخرى في وقت الفراغ

لقد أصبح الاقتصاد مهنة يدلي فيها من هب ودب ، كما حدث مع الدين ،والسياسة ، والتحليل السياسي ،واتعليم ، والإعلام ،والتسويق وكل مجالات الحياة في مصر ، حتى تم قلب الشعار المشهور “وضع الرجل المناسب في المكان المناسب” فصار التأكيد وبكل قوة على ” وضع الرجل الغير مناسب في المكان الغير مناسب” في قوة مدمرة ثلاثية الأبعاد

رسالة أخيرة ، أرجو من الشعب المصري أن يثور ثورة جديدة مطالبا بإلغاء سياسة الدعم ، بل وبإلغاء كلمة دعم من قاموس الاقتصاد إن أمكن ، فهذا الدعم أكذوبة كبيرة ، ومعول هدم كبير جدا في حياة المصريين ، هذا الدعم الذي يمثل قيدا دائنا في جهة محاسبيا وقيدا مدينا في جهات أخرى كثيرة ، ماهو إلا سلسلة من السلال المهترئة التي ينسكب منها ماليس فيها ، على من لاتصل إليه ليستفيد به من لايستحق ، نعم هذا الباب الهلامي ماهو إلا بوابة فساد كبيرة ، تدفع منه عمولات كبيرة تصل عن طريق السماسرة إلى جيوب اللصوص ، فبمجرد زيادة الدعم على سلعة ، كما يحدث في حال زيادة المرتبات تجد الأسعار قفزت من غير مبرر في مواد أخرى مرتبطة وغير مرتبطة بالسلعة المدعومة ، وبالتالي يطمع مورد المادة الخام وشبه المصنعة ليحصل على حصته فيزيد السعر ، فتزيد عمولة الوسيط ، ومن ثم يزيد سعر السلعة ، وتزيد جماركها إن كانت مستوردة ثم تزيد ضريبة المبيعات بالتبعية ، فيدفعها المواطن الذي خلق فقط ليدفع مقابل مالا يأخذ، وبالتالي عندما أقول نطالب بثورة ، فإنني أطالب بشيء جديد ، وهذا له أصل في كل شرائع السماء ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم : “من عمل لنا عملا أسكناه وزوجناه وألبسناه .. الحديث” وبالتالي أصبح على الحاكم الذي قبل الأمانة أن يوفر لكل من عمل عملا للدولة أن يوفر له الحياة الكريمة له ولمن يعول ، إذا فيجب علينا كمواطنين أن نطالب الحكومة بربط راتب المواطن بمقياس يكفل له العيش الكريم ،يكفيه ليسكن ، ويأكل ويشرب ويعلم أبناءه ويرعاهم صحيا ، بل ويوفر منه ، فما المانع أن يربط الراتب بسلة من المنتجات والخدمات ، يحصل العامل على مايكفيه ليحصل على الأقل على هذه السلة ، ومازاد عليها يكون لتوفيره ، ومازاد على ذلك يكون تقييما لعمل مميز يقوم به ، وبالتالي تصبح الحكومة ملزمة من بين ماتلتزم به المحافظة على سعر العملة ، بل والارتقاء بها فإذا انخفض سعر السلة إنخفض أساسي الراتب ، والعكس بالعكس ، عندها سيضطر الخبراء الاقتصاديون لتوخي الحذر ، وتغيير سياسة تفكيرهم بالشكل الذي يلائم احتياجات الناس ، ولن يخرجوا علينا بخليط ، يختلط فيه الغث بالسمين يكون الغث نصيب الفقير .. أما السمين فيكون من نصيب حفنة من اللصوص

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s