الباعة الجائلون … ثروة بشرية .. وقيمة إقتصادية

تطالعنا الأخبار بين الحين و الآخر عن حملات إزالة للأسواق العشوائية المسماة خطأ بحملات إزالة الباعة الجائلين ، وهنا يجب أن نفرق بين البائع الجائل الذي هو موجود قانونا في منظومة الاقتصاد المصري والأسواق العشوائية التي وجودها غير قانوني وغير شرعي ، وهنا سأستخدم المصطلح المتعارف عليه وهو “الباعة الجائلون” للحديث عن كلا الفئتين.

يجب أولا أن نقر بأن هذه الفئة هم أفراد من الشعب المصري لهم مالهم وعليهم ماعلى باقي أفراد هذا الشعب ، وبالتالي فإن التعامل معهم في حده الأدنى يجب أن يتسم بالآدمية ، والرقي ، والتحضر ، ولهذا أريد ممن يقرأ مقالي هذا أن يتخيل معي أننا نتكلم عن كيان قائم شئنا أم أبينا ، تحاربه الحكومة منفردة ، ويدعمه الشعب في مجموعه الأكبر ، هذا الكيان منظم له قواعده وأصوله وأحكامه ، وله قياداته وعماله وعملاؤه ، وبالتالي فإن النظر لهم على أنهم مشكلة يجب محاربتها ينم عن قصور في الفكر ، وضعف في التخطيط ، وربما يتعدى الأمر ليصل لحد البلاهة في الفهم ، فأي أبله هذا الذي يصر على حل مشكلة بنفس الطريقة المستخدمة منذ عقود مع علمه بأنها لم ولن تجد نفعا.
يجب أولا أن نكيف الحالة الاقتصادية لهذه الأسواق ، هذه الأسواق من أقصى البلاد لأدناها ماهي إلا مؤسسة إقتصادية متعددة الفروع ، شاء الله سبحانه وتعالى وربما رأفة بالبلاد والعباد أن لاتجتمع هذه المؤسسة على قلب رجل واحد ، فليس لها جمعية عمومية واحدة ، أو رئيس مجلس إدارة ، وإلا لكنا الآن أمام معضلة ربما إقليمية يتولاها هؤلاء ، ولكن الأكيد أن تنظيمهم في كيان واحد ليس في مصلحة أي منهم كما هي بالتأكيد ليس في مصلحة البلاد .

وعندما نتحدث عن المؤسسات الاقتصادية فإن قوتها تقاس فيما تقاس به بأشياء كثيرة هي في النهاية مقياس قوتها أو ضعفها وانظروا معي ماذا تمتلك هذه المؤسسة
1- القوة البشرية جيش جرار من الباعة “الجائلين” يُخدِم عليهم كثير من المهن التي نتخيلها والتي قد لا يتصورها البعض ، فابتداء من المهربين ، فالسماسرة ، فتجار المناطق ، والممولين ، وكتبة الحسابات والكمبيالات وإيصالات الأمانة نظير البضاعة ، والبلطجية ملاك المناطق ، وعمال الكهرباء لسرقة التيار من أعمدة الإنارة وحتى موظفي الحكومة جميع هؤلاء هم قوة بشرية تعمل بشكل مباشر أو غيرمباشر في هذه المؤسسة.
2- الأصول الثابتة : تمتلك هذه المؤسسة من بين ماتمتلك أكبر وأهم محفظة عقارية في مصر ، وهي الميادين والشوارع والأرصفة ، وإذا تخيلنا أين يتمركز هؤلاء فإننا نجد أنهم يتواجدون منذ عقود في أماكن هي خلاصة ماتمتلكه الدولة من ميادين وشوارع ، حتى أصبحت أماكن وسط البلد يدفع فيها خلوات كبيرة بين المسيطرين عليها حال رغبتهم في التخلص منها للراغبين الجدد في السيطرة عليها ، بعد أن يتطور الحال بأسلافهم عند تحولهم لرجال أعمال “نظاميين” ، إذا فنحن أمام أصل ثابت يقدر بعشرات المليارات على أقل تقدير تمتلكه مؤسسة “الأسواق العشوائية” ، وتخليهم عن حصة من هذا الأصل لاتمثل لا زمانا ولا مكانا نسبة تذكر بباقي ماتحتفظ به ، وبالتالي فإن اكبر محفظة عقارية مملوكة لمؤسسة منذ عقود هي هذه المحفظة الغير منظمة .
3- المخزون السلعي : لا أتخيل أنني في حاجة أن أشرح لكم حجم المخزون السلعي وتنوعه لدى هذه المؤسسة المسماة “الأسواق العشوائية”
4- العملاء ولا أظن أيضا أن في مصر مؤسسة تمتلك هذا العدد الهائل من العملاء ، ولن توجد مؤسسة قادرة على جذب هؤلاء العملاء بعيدا عن مؤسسة “الأسواق العشوائية”
5- القدرة على الاحتكار وعدم وجود منافس ، هذه المؤسسة هي المحتكر الأول وهي المؤسسة الوحيدة التي منافسها الوحيد لا يمارس نفس النشاط وهي “الحكومة” فالجهاز الحكومي بحربه البلهاء يعتبر المنافس الأوحد ، وزاد الأمر بلاهة أنه لم يعرف قواعد اللعبة في هذه المؤسسة ، ولم يقم بمنافستها منافسة شريفة مستخدما فيها مالديه من إمكانيات وآليات تفوق حتما مالدى “الأسواق العشوائية”
إذا فنحن أمام كيان إقتصادي مهول لو تنظم ذاتيا لأكل الأخضر واليابس ، خصوصا لو تصورنا لوهلة الإمكانيات والمؤهلات الفردية للعاملين في هذه المؤسسة ، وأرجو أن يقول لي أي منكم إذا كان لديه الإمكانية للجلوس ساعات طويلة في نفس المكان دون تحرك حتى لو بغرض المتعة على مقهى أو على البحر ، فما بالك بمن يجلس مابين ثماني إلى إثناعشر ساعة منتبها لما يلي
1- البضاعة التي أمامه وأحيانا تكون من الدقة والحساسية بمكان يصعب على الشخص الطبيعي التعامل معها في الزحام كالخضار والفواكه ، وكأطباق الصيني والأكواب الزجاجية على الرصيف وغيرها
2- ينتبه لمداخل ومخارج الميدان لتشمم هجوم حملات الإزالة
3- يتابع الزبائن ويفاوضهم ويبيع لهم
4- يتابع البلطجي أو مندوبه المتواجد في المنطقة
5- ينتبه لفرشة جاره الذي ذهب لقضاء حاجته
إذا فنحن أمام شخصية لديها من الإمكانيات مايفوق الشخص العادي ، وهذه الشخصية تزيد عنا أنها مدربة تدريبا عاليا على القيام بكل ذلك ، والشخص المدرب دائما يتفوق على غيره ، خصوصا عندما يكون هذا التدريب آتيا عن خبرة عركت مدربه أولا ثم تمرس هو فيها وعرف مواطن ضعف وقوة مهنته ، بل ومواطن قوته وضعفه هو ، ثم تمرس في دراسة نفسية العميل أكثر مما يمكن أن يصل إليه أقوى باحثي التسويق

إضافة لكل ماسبق مابالنا لو علمنا بأن هذه المؤسسة هي التي حمت الاقتصاد القومي على مدار عقود ، ساعدها في ذلك أنها غير مسجلة في أي من سجلات الدولة ، ولا تقوم بدفع الضرائب التي اكتشفنا بعد عقود أنها كانت بابا للسرقة مستباح لا نعلم الداخل فيه والخارج منه ، كما أنها خارج منظومة التأمينات التي كانت ومازالت بابا لتدمير الاقتصاد ، كل هذا وغيره جعلهم يبيعون حاجات الناس بأقل من الأسعار المعروضة في الأسواق النظامية ، مماجعل للعملة قيمة في أيدي رواد هذه الأسواق ، فحافظوا كثيرا على سعر العملة ، وجعل الحكومة والمصرف المركزي يجب أن يخجلا من بلاهتهما عندما يصدرا تقرير سعر المستهلك ، فهذا التقرير ولعقود الأكيد أنه لم يأخذ في حسبانه هذه القوة الضاربة الظاهرة للعيان العصية على السيطرة أو فهم مكنوناتها .

أبعد كل هذا مازلتم مصرين ببلاهتكم أن تقفوا أمامهم ، إن أفراد هذه المؤسسة العظيمة المسماة ” الأسواق العشوائية” والذين يسمون خطأً “الباعة الجائلون” يجب أن يقام لهم تمثال من ذهب على ماقدموا لهذا الشعب ، فلولاهم لكنا نتكلم في سعر للدولار يصل لعشرات الجنيهات على أقل تقدير ، وبالتالي فإن الحكومة إن لم تكن قادرة على حل مشكلاتهم بما يكفل لهم أولا وللاقتصاد ثانيا الانتعاش ، فإنها يجب أن ترفع أيديها عنهم بدون قيد أو شرط ، فهم ليسوا أعظم مشاكل مصر ، وليسوا هم باب حل باقي مشاكل الشعب .

وأحذر هنا من الحلول الأكاديمية المبنية على اجتماعات ولجان يجلس فيها من يظنون أنهم أهل الاختصاص ، وهم أبعد مايكونون عن ذلك .

إن أسوأ حل قد تتخذه الحكومة هو إنشاء أسواق نظامية مستقلة خارج حدود المدن ، ومن السوء أيضا أن نحول لهم بعض الأماكن داخل نطاق المدن ، هذه المشكلة لابد أن تحل حلا عبقريا يفكر خارج الصندوق ، أستطيع أن أقدمه في أسطر ، ولكن لثقتي أنه سيكون باب خراب على المجتمع لو تنبهت له الحكومة ، ونفذته بإسلوبها العقيم ، فإنني أحتفظ به لنفسي حتى يقيض الله لهذا الأمر من يكون على مستوى مسؤوليته عندها سأقدمه له خدمة لهؤلاء العظماء المجني عليهم “الباعة الجائلون”

Advertisements

2 thoughts on “الباعة الجائلون … ثروة بشرية .. وقيمة إقتصادية

  1. محمد فوزي عبد اللطيف حسن

    المقال رائع وقمت بقراءتة مرتين ..ولكن من المفترض ان تعمل اللي علية وتذكر الحلول ..وعادة هذا ما يفعله الصحفي او المحلل بغض النظر عن ما قد يحدث ..اقصد ان يصل للمسئول المختص وينفذة ام لا ..وحتى لا يقال انك لا تملك الحلول

    إعجاب

    رد
  2. taratatiro

    ممتاز يا احمد … و فد أوافقك فى رفضك لحل الحكومة بطريقة انتظيم لهذه الأسواق داخل كردونات محددة ، لكنه حل سحرى بالفعل إن قامت به أجهزة مستنيرة و واعية للتخطيط بالمشاركة مع المجتمع المدنى بمؤسساته. و هو ما حدث تماما فى أوربا بعد معاناة طويلة من هذه الأسواق ، و لكن دون إقامة الحرب عليها كما تفعل حكوماتنا المتتالية بنفس التكرار العقيم الذى لا يبشر أبدا بحلول واعية و عبقرية كما تسميها. المشوار طويل .. و البشر هم الثرةو برغم كل ما نعانيه من غنفلات للقيم … و الحلول السحرية ترقد تحت عباءة الوعى للقائمين على الأمر و التوعية لخلق مجتمع جديد يفيد و يستفيد.

    إعجاب

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s