إيه ياظالم ….. “مقال قديم” كل الشكر لصديقي الأستاذ محمد فوزي عبداللطيف الذي عثر عليه

إيه ياظالم …..

صديقي من النوع الذي عليه غالبيتنا يخرج من بيته في الصباح قاصدا وجه رب كريم يدعو الله أن يمر هذا اليوم على خير ، فلا يعكر صفوه حادث مهما كان صغيرا ، أو يصل إلى عمله متأخرا بضع دقائق فيخصم من راتبه أو يسمع توبيخا ، أو يأتيه مراجع يفرغ فيه شحنة غضب مدفونة أو على أقل تقدير توقفه لجنة مرور تخالفه لأي سبب والسلام.
صديقي يأتيني آخر اليوم ليفرغ همه وأفرغ همي ولايجد لدي حل أو أجد لديه تدبيرا حتى مللت رؤيته ومل طلعتي فحديثنا واحد وشكوانا مملة مثلنا نحن الإثنين ، ونتحدث نفس الحديث الذي لا يكاد يغادر شفاهنا حتى يسقط في حجرنا ويختلط فلا يعلم أينا اشتكى ولا أينا قدم النصح فنحن إثنين في واحد.
اتصل بي بالأمس وقال لي أريد أن أراك لأمر هام ، والحق يقال أنني أرتعب وترتعد فرائصي عندما يتصل بي شخص ويحدد موعدا ليحدثني عن أمر هام ، فهو لايعلم أن الهام له من اسمه نصيب أي يزيد الهموم ويرفع الضغط حتي يلتقي القائل والمتلقي .
التقيت صديقي في المساء ، فقال وهو ينفث دخان سيجارته ، ويعلو وجهه البشر ، لقد وجدت الحل مع هذا الذي أذاقني العذاب ألوانا في عملي ، والله لأفضحنه فضيحة القطط ، وكأنه ينتظر مني أن أسأله حتى يسترسل ، فبادرته أهذا هو الأمر الهام الذي أضعت قيلولتي أفكر في ماهيته ؟ ألا لعنة الله على شيطانك وعملك ومديرك ، وخلصني منك ومن بلاويك.
فقال اليوم اكتشفت أنه يتحدث مع قريبة من قريبات مديرنا الأكبر ويغازلها ، ويتواعد وإياها على اللقاء بعد العمل، سأفضحه أمام زوجته التي تعمل معنا لكن في موقع آخر ، وسأفضحه أمام زملائه ، وظل يتوعد ويرغي ويزبد ، وينفخ الدخان كتنين هائج ، خرج لتوه منتصراً من معركة البقاء ، ما لفت انتباهي ليس حديثه بالمرة، فهذه القصص عامة الحدوث ، وليس فيها مايستغرب ، ولكن نبرة النصر التي بدا عليها حديثه يتخللها رعشة من لم ينتصر قبل ذلك ، ولايعلم كيف هو شعور المنتصرين ، ومالفت انتباهي – ربما أكثر – هو ردة فعلي على حديثه ، الذي تركته يسترسل فيه ، لأنني أعلم مسبقا ماهي نهايته ، فصديقي كما الكثيرين منا – ولاد ناس – جار عليهم الزمن ولن يستطيع أن يحرك ساكنا ، وفي قرارة نفسي تمنيت أن يخيب ظني فيه ، ربما لأعيش نشوة النصر وإن كانت من خلال صديق ، وربما لأعيش أحداثا لاتتكرر كثيراً في حياة شخص مثلي ، وربما هي رغبة في الاطلاع على نص جديد في الحوار بيننا الذي مللنا تكرار مفرداته كما أسلفت.
ظل صديقي يعيد ويزيد نفس الكلمات والتهديدات والتفاصيل التي باتت مملة ، لاتختلف عن أي قصة حب تأتي في خريف العمر ، قد تطول وقد تقصر ، إلا أنها في الغالب الأعم تنتهي نهايات ربما تكون سخيفة وتصبح من ذكريات الماضي ، وظللنا على هذا الحال مدة من الوقت حتى انتبه إلى أنني لم أرد عليه بكلمة منذ أن جلسنا ، فقال مالك ساكت من ساعة قعدنا ، انتبهت لحظتها أني أستمع لهذا “الأهبل” – كما يحلو لي أن أناديه من وقت لآخر ، ويتقبلها بصدر رحب كما أتقبلها منه أحيانا ، فنظرت إلى عينه التي تتلألأ ، وقلت له “حمره” فضحك وقال لي “هي إيه اللي حمرة” قلت له عينك حمره ، وتبسم اتسامة ذات مغزى أفهمه أنا وإياه.
ثم بدأ حواره ينحو منحىً آخر، فقال كأنما يبرر لنفسه : “أعمل له إيه بني آدم مفتري مشغلني عنده عبد” ويضطهدني على الفاضية والمليانة ، ويحملني نتائج أخطائه ، وكلما جاء موعد التقرير السنوي ، لابد أن يفتعل أي سبب يحرمني من الامتياز حتى لا أحصل على ترقيتي أو علاوتي ، لقد أوقف نموي لمدة عقد من الزمن “الله يوقف نموه” ، ثم قال لي مرة أخرى مالك ساكت ، فقلت له وأنا أتحاشى أي لفظ قد يكون سببا في إثناءه عما هو مقدم عليه ، رغبة مني في حراك جديد في حوارنا كما أسلفت ، وكذلك ربما لبغضي لهذا الرجل من كثرة ما تكلم هو عنه ، إلا أنني يبدو أنني فشلت في ذلك كما فشلت في أشياء كثيرة في حياتي ، فقلت له : ياصديقي أنت لم تشاهد نفسك وأنت تتحدث ، لقد كنت كعود ثقاب ملقى على أرض مدفأة مجمرة ، لو أردت التقاطه ولمست بالخطأ شبك المدفأة لحرقت يدي وتسببت في اشتعالك في نفس الوقت ، ياصديقي اتق الله في نفسك وصحتك ، فأنت تحمل من العلل ما قد يودي بحياتك لمجرد هذا الانفعال الذي أنت فيه الآن ، فأردف “آه والله من ساعة مافكرت في هذا الموضوع وأنا عندي صداع نصفي” قلت له : أنت منفعل الآن تحت وطأة الرغبة في الانتقام ، لإزاحته من طريقك ، ولم تفكر في آلية التنفيذ، وفكرك قاصر عن أن تصل لهذه الآلية ، فأنت لن تستطيع أن تتصل بزوجته لتخبرها ، ولن تستطيع أن تخبر أحدا بذلك ولست شريرا حتى تتبعه لمكان اللقاء فتصورهما مثلا وتبتزه بالصور، فقال ومالذي يمنعني من كل ماأسلفت ، قلت له : لو أردت لفعلت فالحوار تم ، واللقاء تم وأنت هنا تجلس “زي خيبتها” تغلي في داخلك كالمرجل “وهو ولاعلى باله” ، لو أردت الفعل لفعلت .
قال صديقي وهو يتجرع مرارة فوق مرارة ريقة الممتلئ بمرارة الدخان : صحيح أنا خايب من يومي ، بس ياأخي الرجل ظالم ويستلذ بتعذيب الآخرين.
ثم وكأنه يهرب من هذا الحوار ، أنا لا أتخيل كيف ينام ظالم قد آذى شخصا ، وأكل حقه وهضمه ، صدقني وأنا أفكر في هذا الأمر كانت تتنازعني رغبة ورهبة ، لم أكن أعلم لأيهما أنا أقرب ، رغبة في الانتقام حتى أسبب له الألم كما أذاقني من العذاب ألوانا، ورهبة في أن أقف أمام الله يحاسبني عما فعلت.
تعجبت ، من هذا الذي خاف حساب الله وهو مظلوم ، وصمتنا برهة جال بخاطري مانتعرض له من شتى أنواع الظلم ، فمن ظلم الزمان ، وظلم المكان ، وظلم الناس ، وكيف أن ظالما يبيت وفي رقبته مظلمة لشخص يعرفه .
وتنبهت أن هناك من يبيت وفي رقبته مظلمة لشخص ربما لايعرفه ، وربما كانت لعدة أشخاص ، وربما لمجتمع بأكمله ، وكيف بالذي تكالبت عليه المظالم من كل حدب وصوب وتقاطعت مع بعضها، وكيف بالذي تنتهي برقبته كل هذه المظالم ، وتخيلت حالي في موقفه ، فارتعدت فرائصي ، وتذكرت مقولة ” يابخت من بات مظلوم ولاباتش ظالم” ، ولاأدري لماذا لابد أن يبيت المرء ظالما أو مظلوما ، أليس الأجدى أن يبيت “لا له ولا عليه” .
فجأة قال لي صديقي – بعد أن هدأ ضغطه وأنهى كأس الكركديه البارد الذي طلبه في غفلة مني – : “مالك” ، قالها وهو يبدو كمن سيأوي للفراش .
قلت له : ياصديقي سامحك الله ، لقد “قلبت الموجع” وذكرتني بما أكره ، لقد قلت لك مراراً “لاتفكر في شخص تعلم علم اليقين أنك لست على باله لحظة تفكيرك فيه” ، لقد ضيعنا الليله نتحدث عن شخص لست بالأساس جزءاً من تفكيره بعد نهاية يوم العمل ، فقال : ولا حتى أثناء العمل ، فشعرت بحسرة على صديقي الذي أفنى عقدا من عمره يناطح الصخر .
فقلت له لعنة على شيطانك الذي أذهب ليلتنا سدى ، أما كان من الأجدى أن نذهبها سدى كالعادة دون صداع.

أحمد السيد الصاوي

Advertisements

One thought on “إيه ياظالم ….. “مقال قديم” كل الشكر لصديقي الأستاذ محمد فوزي عبداللطيف الذي عثر عليه

  1. mona el sawi

    صاحبك غلطان ضيع فرصة لا تعوض و ترك زوجة تعاني من الشك و تنتظر أن يكشف لها شخص ما حقيقة تؤكد شكوكها قبل أن يصيبها الجنون

    إعجاب

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s