رجل رشيد “مقال قديم” كل الشكر لصديقي الأستاذ محمد فوزي عبداللطيف الذي عثر عليه

رجل رشيد(كتبت هذا المقال قبل أعوام أيام الانتخابات قبل الماضية ) ربما في 2005

يتحدث الجميع عن انتخابات الرئاسة ، ويخوض الكثيرون السباق من الآن، ويسعى هؤلاء للفوز بهذا الكرسي الذي لايعلم أي واحد منا أو منهم أين هو ولاكيف هو شكله وهل سيكون مناسبا لشخصه الكريم ، مريحا في جلسته ، ولم يصارح أي منهم نفسه قبل أن يصارح الناس هل أنا ذلك الشخص الوحيد الذي يجب أن يجلس على هذا الكرسي

عندما قال يوسف عليه السلام لعزيز مصر اجعلني على خزائن الأرض ، كان لديه من المقومات والإمكانات التي تدفعه لطلب هذا الأمر لنفسه ، فبخلاف الإمكانات الربانية ، قدم أدلة ملموسة على صلاحيته لهذا المنصب ، بالإضافة لإرادة الله التي دعم بها موقفه

فما الذي قدمه كل هؤلاء الذين يتسابقون صباح مساء للوصول لهذا المكان ، لم أجد لأحسنهم موقفا سوى كلاما مرسلا ، لايرقى لمستوى أضغاث الأحلام ، لقد عاشت أجيال كثيرة بأكملها تسمع هذا الهراء لعقود خلت ، إلا أنه لم يأت حتى الآن من يضح يده على الجراح التي أثخنت الأمة ، ولم يقل واحد منهم مثلا ماهي خطته للرقي بالتعليم ، عندما يتحدث شخص يصبو لأن يجلس على قمة هرم الأمة لسنوات ، فإنه يجب أن يقدم خطة مفصلة لكل ماسيقوم به خلال فترة حكمه ، وبالطبع لن يستطيع فرد قائم بذاته أن يقوم بذلك الجهد ، وإلا فإنه في النهاية سينج لنا عبثاً كل الأمة في غنى عنه ، يجب أن يكون خلف هذا المرتقب جيش من الباحثين والدارسين الذين يعملون لصالح الأمة بتجرد

وهنا يأتي دور الرجل الرشيد الذي نصبو إليه ، رجل يتجرد لخدمة الأمة في الخفاء ، لايصبو لقيادة أو منصب أو جاه ، رجل يستطيع أن يجمع جيشا من الباحثين ، الذين يضعون أيديهم على علل الأمة وجراحها ، علة علة وجرحا جرحا ، ويقدمون الحلول المناسبة بتجرد ، لايبتغون من وراء ذلك سمعة أو رياء ، وإنما يبتغون رفعة هذه الأمة، ورقي مكانتها

لا أتخيل مصر التي أنجبت على مدار تاريخها الطويل جيوشا جرارة من القادة والنجباء والنوابغ عقمت فما عاد فيها هذا الرجل الرشيد ، لا أستطيع أن أتعايش مع فكرة أن مصر التي أنجبت هذا الكم من العلماء والقضاة وقادة الجيوش والمفكرين والمعلمين تيبس رحمها فلم تعد تنجب إلا شذاذ آفاق أو من لاحول لهم ولاقوة

لن يقوم لهذه الأمة قائمة إلا إذا ظهر هذا الرجل الرشيد الذي يتجرد بحق لخدمتها ، وهذا الرجل لن يخرج من المجتمعات المخملية ، ولا من قاعات المؤتمرات والندوات ، كما أنه لن يأتي بالتأكيد من السماء ، هذا الرجل الرشيد موجود في ركن ناء بعيد عن صحافة وإعلام تدنس الكثير منها بمصالح من يمولونها ، هذا الرجل الرشيد كبلته الحاجة ودفعته للبكاء كل يوم على حاله وحال هذه الأمة ، يعلم خبايا الحياة من تحت سلم القهر، هذا الرجل لم يغادر مصر في يوم من الأيام ،تعلم على أرضها ، وشرب من ماءها الكدر ، وركب مواصلاتها المزدحمة ، وجلس على مكتب مستند في أحد جوانبه على علبة سمن مملوءة رملا
هذا الرجل لم يدخن سيجارة، ولم يشرب خمرا ، ولم يدخن الحشيشة ، ولم ينظر إلى امرأة جاره ، هذا الرجل يمشي وجهه للأرض خجلا وخوفا أن يقع بصره على مايكره ،كما أنه متفان في عمله ، يغادر منزله قبل الموعد بساعات حتى لاتؤخره المواصلات عن الوصول لمقر عمله ،وهو أيضا محبوب من كل من حوله ، يقصده الجميع لإنهاء أعمالهم لثقتهم في أنه لن يأخذ رشوة ، أو يسوف ويؤجل الأمر للغد ، هذا الرجل يهب لنجدة جاره حتى لوكان على غير دينه ، ويرسل من أكل بيته لجاره الفقير ، وهو بالمناسبة رقيق الحال ، من أولئك الذين لايجازفون بالخروج من المنزل حتى لايضطر للجلوس في مقهى أو مطعم فتخترب ميزانية الشهر ، كما أنه لو طلب من أن يتحدث في جمع من خمسة أشخاص تجده يتلجلج ويحمر وجهه خجلا
وبالطبع إذا دخلت لبيته تجده نظيفا مرتبا ، غير مكدس بأنواع الفرش المطلوب وغير المطلوب ، وتجده طيب الرائحة يشرح الصدر ، فيه امرأة فاضلة تنتظره على أحر من الجمر حين يعود من عمله ، لابسة أبهى مالديها من غير تكلف ، جهزت له كل وسائل الراحة ، وألبست أولاده أنظف مالديهم ، حتى لايشم أبوهم رائحة العرق التي تمكنت منهم لأنهم يجلسون في فصل مزدحم بمائة طالب ، حيث أنهم في مدارس الحكومة ، فإمكاناته لاتسمح بأن يدخلهم مدرسة خاصة ،هذه السيدة الفاضلة ، وإن كانت تعمل ، إلا أن أخلاقها من خلق زوجها ، وتحرص كل الحرص على أن لاتفعل مايشينه ، أو يسيء لها ولبيتها وزوجها وأبنائها ، وتجدها بعد أن تفيق من قيلولتها ترتب مكان دراسة أبنائها حتى تجلس معهم لتساعدهم في استذكار دروسهم ، فدخل أبيهم مع دخلها لايسمح باستقدام مدرسيين خصوصيين ، وإذا جاء المساء بادرت لتجهيز وجبة العشاء لزوجها وأبنائها، وتكون آخر من ينام في الدار بعد أن تطمئن على إغلاق الغاز ، والأضواء ومحبس الماء حتى توفر الماء الذي يتسرب من أحد الصنابير التي تلفت بفعل الزمن لحين أن تتمكن أول الشهر من إحضار السباك ليصلحه ، فميزانية الأسرة لم تكن مستعدة لهذا الطارئ السخيف

هذا الرجل تجده بالكاد معروفا بين جيرانه ، فهو يخرج من بيته لعمله ، ويعود إليه منهك القوى ،يتحاشى الخروج من البيت حتى لا يدوب نعل حذائه فيضطر لشراء واحد جديد قبل أن يأتي موسم التخفيضات ، وبالمناسبة هذا الرجل ليس لديه هاتف محمول ، ولا كومبيوتر ولا إيميل ، فهو لن يرسل سيرته الذاتية لأحد في الخليج ليبحث له عن عمل
هذا الرجل الرشيد لن تجد في بيته بنطلون جينز لا له ولا لأحد من أبناءه ، فقد تربوا على أن لايطلبوا من أبيهم فوق طاقته ، كما أن أمهم لم تفكر في يوم من الأيام أنه قد يطلب منها ابنها شيئا ليس في مقدور الأسرة ، كما أن بنته الكبرى التي دخلت الجامعة منذ عام تقضي معظم وقتها في مكتبة الجامعة تقرأ الكتب المقررة عليها ، حيث أن دخل الأسرة لايحتمل شراء مذكرات لحين صدور كتب لا علاقة لها بالمقرر ،ومع ذلك حصلت على تقدير جيد جدا برغم أنها متأكدة من الامتياز إلا أن حظها العاثر قادها لأن تكون في الدفعة التي فيها ابن عميد الكلية ، وعلى قدر ثقته فيها إلا أنه يؤكد عليها يوميا أن تكون في البيت قبل غروب الشمس ، تخيلوا أن هذا الرجل ظل غاضبا من ابنته لأيام لأن أحد المعيدين في كليتها تقدم لها ، وعندما سأله هل تحدثت معها قال له نعم حدثتها وقالت لي أن أتي إليك ، ليس هذا ما أحزنه إنما الذي أحزنه أنها من خوفها أنكرت عندما سألها إن كانت تحدثت إليه في هذا الموضوع

أعتقد أنني قد أكون قد قدمت صورة موجزة عن هذا الرجل الرشيد ، بقي أن أجيب على سؤالكم المهم ، كيف لهذا الرجل أن يحيي أمة من مواتها ، وهو الضعيف شبه المشلول ، هذا الرجل في قلبه غصة دامت معه منذ مايزيد على عقدين من الزمان ، فلأنه في حاله لايحب الاعيب الموظفين ، فقد تسلق على كتفه الكثيرون ممن معه في العمل حتى وصل بعضهم لكرسي الوزارة ، ومازال هو في الحلقة الدنيا من درجته الوظيفة الأخيرة التي وصل إليها منذ سنين ولم تسمح له اللائحة بتجاوزها ، ولأن مدراءه لايتخيلون مكانه بدونه ، فإنهم يحرصون كل الحرص على أن يظل قابعا فيه ، حتى لايترقى ، وتفسد أمورهم أن جاء غيره ، ولهذا فإن هذا الرجل تجده دوما شارد الذهن يفكر كيف يرتقي بعمله حتى يقنع مديره بأن يلتفت إليه وينعم عليه بترقية أو علاوة دون أن يريق ماء وجهة ، وبنفس القدر من الابتسام الذي لايفارق وجهه ظل يطور في عمله ويخدم الناس ، ويسمع أخبار الوطن من خلالهم فتختلط لديه الأخبار مع مايعانيه في عمله فيجد حلولا لكل مايسمع ، ولأنه حالم فإن عقله يتوصل لحلول عبقرية لكل المشاكل ويختزن هذه الحلول لذا لو قدر لهذا الرجل أن يفصح عما في داخله فإننا سنجد لديه موسوعة شاملة لكل المشاكل الموجود ، وسنجد لديه تصورا عاما لحل كل مشكلة على حده ،هذا التصور العام في حاجة لفرق عمل من الباحثين والدارسين الذين يأخذون العموميات ويفصلونها لتكون مناهج عمل مفصلة يساهم كل منها في رفعة الأمة في جانب من الجوانب

تخيلوا معي لو أننا اكتشفنا أن لدينا عشرة رجال رشيدين ،فما بالنا لو أن لدينا مائة ألف أو يزيدون من هذا الرجل ، بغض النظر عن دينهم ، أو مذهبهم ، أو موقعهم ما الذي سيحدث لهذه الأمة

بقي أن أوجه ندائي لهذا الرجل الرشيد ، أستحلفك بالله ثم أتوسل إليك باسم هذا الوطن أن لاتتمنع أو تحجم عن خدمة هذه الأمة ، يوم تتوجه إليك الجموع زاحفة راغبة في استخراج الكنز الذي لديك ، فما لهذه الأمة من خلاص إلا بما هو مخزون في عقلك الباطن ، ولا تفزع ولا تجزع فلن يصيبك مكروه إلا بأمر الله سبحانه وتعالى ، واعلم أن شرفاء الأمة وهم بالملايين سيدارون عليك ويحافظون على أمنك وسلامتك وسلامة عائلتك التي تخاف عليها من النسمة واعلم أنك لن تكون وحيدا في مركب الإصلاح ، وإنما حولك سيكون كل عقلاء الأمة من الشرفاء ولن تكون في حاجة لاختيارهم فهم مختارون من لدن هذا الشعب الذي سيفيق يوما ما ، وينتفض على كل أعوج فاسد ليس بثورة تقتلع الأخضر واليابس ، وإنما بوقفة حق يسمع صداها في أرجاء الدنيا

أما عقلاء الأمة فاتقوا الله في أنفسكم أولا وفي الأجيال التي شئتم أم أبيتم حملتم أمانتها ، واختارو منكم عاقلا يقودكم في رحلة البحث عن رجل رشيد ،وكونوا على مستوى المسؤولية ، وتجردوا لله وللوطن من أي مصلحة قد تنشدونها من وراءهذه الحملة ، ومن أحس منكم بأنه ليس أهلا لهذه الأمانة فأتوسل إليه باسم هذا الوطن أن يكون شريفا لثانية واحدة يتخذ فيها قرارا بالبعد عن هذا الموكب ، فأفاق واحد في مركب الشرفاء قادر على إغراقه
أما العقلاء فإني لا أستطيع أن أقول لهم ماذا يفعلون ، فلو استطعت لكنت معكم ، فما أنا من العقلاء ، وبالمناسبة فلست هذا الرجل الرشيد
أما الذين يطبلون ويزمرون في حملة التزاحم على كرسي الرئاسة ، فأقول لكم لقد سئمت غالبية الأمة جعجعاتكم ، وأنا ومن على شاكلتي نطالع هذا السيرك المنصوب كبرنامج هزلي ، كوميدي يتراقص فيه الجميع ،ويجود فيه المخرج حتى يحصل على أكبرنسبة مشاهدة ، وبالتالي يجذب إليه المعلننين الذين هم في النهاية المستفيد الأول من كل ما يعرض من هزل ، وفي نهاية برنامجكم سأضغط على زر الإغلاق وأنام نوما هنيئا ، وقد لا أنتظر نهاية العرض ، فلو انتهى العشاء الذي أمامي ، ودخنت آخر سيجارة لدي فمالذي بقي لي حتى أنام
كل ما أرجوه من حضراتكم أن إذا قدر الله لأحدكم وجاء ، فخففوا عنا من وقع التغيير ، وحاولوا أدامكم الله فوق رؤوسنا أن تخففوا الضغط ، لاترفعوا عن كاهلنا شيئا حاشاكم ، فلو رفعتموه أين ستضعوه ،لكن حاولوا قدر جهدكم أن لاتضيفوا شيئا جديدا ، فإن كان ولا بد فكل مايأتي منكم خير وبركة ، ونحمد الله على كل شيء

حماك الله يامصر من كل سوء ومكروه وأدعو الله العلي القدير أن ينير الطريق أمام العقلاء ليجدوا هذا الرجل الرشيد

أحمد السيد الصاوي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s