الرداحــــــــة

صديقنا اضطر في شبابه ولظروفه المادية أن يسكن في منطقة عشوائية ، ليست كما كل العشوائيات ، ولكنها مليئة باللصوص ، والبلطجية ، وتجار المخدرات ، وأرباب السوابق ، صديقنا رجل من عائلة رقيقة الحال تعيش في مدينة أخرى ، وعلى قدر رقة حال هذه العائلة ، إلا أنها نشأت أبناءها على طهارة اليد وعفة اللسان ، علًمت ولكن من ضمن ما تعلم صديقنا أنه ربما يضطر أن يساير الحال التي ليس بيده حيلة فيها ، تعلم صديقنا أيضا أنه يجب عليه أن يغير الحال ولكن لضعف إمكانياته أمام الخراب الذي يحيط به لم يستطع أن يغير حال منطقته ، إلا أنه اصطفى منهم من هم قريبين منه نوعا ما في فكره وعقيدته ونشأته وظروف قدومه للعشوائية ، وعمل هو وإياهم على أن يظلوا محافظين على بعض خصوصيتهم حتى لا يتأثر أبناؤهم بالسلوكيات المحيطة بهم ، وصاروا على الحلوة والمرة إخوانا له.
وحتى تسير الحياة ، كان من ضمن من ارتبط بهم امرأة تعرف بردحها وقلبها الميت ، هذه المرأة لديها أبناء وبنات شب بعضهم عن الطوق ، ومازال منهم من في سن أبنائه ، ولأنها تعيش قريبا من داره المتواضعة ، فقد أصبح من الطبيعي أن تأتي لبيته وتجلس إلى زوجه ، ويتعامل أبناؤها مع أولاده .
هذه المرأة وجودها مهم في حياة الأسرة الناشئة ، فهي توفر الحماية للرجل وعائلته أمام سطوة البلطجية وجيرة السوء التي يعيش في وسطها الرجل وعائلته .

كبر الأبناء وشبوا عن الطوق وتعلموا وتغيرت حالهم ، وعلى قدر كرههم لسلبيات المنطقة التي نشأوا فيها إلا أنهم وبعد وفاة أبيهم مازالوا يذهبون للمنطقة بين الحين والآخر ربما احتراما لذكرى أبيهم ، وربما لحب دفين لم تبح به النفوس ولم يكتب له التمام ، فهذا النوع من المشاعر يدفع الذي أحب يوما للمرور بدار محبوبه.
اليوم الذي وصل فيه أحد الأبناء لموقع المسؤولية كان عيدا وفرحة لكل أبناء المنطقة ، وصاروا يتملقون هؤلاء الأبناء إكراما لأخيهم صاحب السطوة والسلطة ، وتملقوا أيضا أبناء هذه المرأة ، التي هرمت منذ زمن بعيد ولكن صوتها مازال يزلزل ويجلجل ، وكان من الطبيعي أن يأخذ معه في منصبه الجديد بعض أبناء هذه المنطقة ، ووجد لأحد أبناء هذه المرأة وظيفة تتناسب مع مستواه التعليمي .
إبن صديقنا قال لأبناء منطقته أن بابي مفتوح لكم ، وسأكون خادما لأي منكم ، فأنتم أهلي وعشيرتي ، إلا أنه ومع مرور الوقت تكشفت له طبيعة متطلبات الحياة الجديدة ، وتعلم على يد مستشاريه أن أهل منطقته بسوابقهم وبمستواهم المعيشي والفكري ليسوا أهلا للارتباط به والدخول عليه ، ويجب عليه أن يتخلص من وجودهم على الأقل داخل مقر إدارة المؤسسة ، فما كان منهم إلا أن وضعوا له خطة محكمة ، نفذت بليل ، تخلص بها من البعض ومازال البعض الآخر على الطريق.
اليوم عادت الرداحة لأصلها بل وجمعت حولها كل الرداحات الأخريات للوقوف أمام ما ظنته سطوة إبن صديقنا ، ولأن ابنها يعلم يقينا ماستقوم به أمه وصويحباتها ، اللواتي كن يوما ما ألد أعدائها ، وماجمعتهم إلا المصلحة .. لأنه يعلم ماستفعل ، فقد آثر السلامة واستقال من عمله مع ابن صديقنا ، ضمن من استقالوا من أبناء المنطقة .
سؤالي ، هل سيتأثر ابن صديقنا بردح جارتهم القديمة وصويحباتها ، وهل لديه خطة لتطهير منطقته من آفاتها ، وهل سيستبدل أبناء منطقته بأبناء اصدقاء أبيه ، أم أن أبناءه وأبناء إخوانه هم الأولى بالرعاية ، وهل سيستبدل المستقيلين فورا ، أم أنه ينتظر حتى تنتهي موجة الاستقالات ؟
سؤال ربما أخبركم بإجابته قريبا …

معلومة ليس لها علاقة بالمقال .. السياسة في أحد تعريفاتها … هي جعل كل مستحيل ممكناً !!….

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s