قراءة في البعد الأمريكي للسياسة المصرية (1)

مصر وأمريكا تمثلان بعداً استراتيجياً كل للأخرى ، هذا باختصار الوصف الدقيق للعلاقة بين الدولتين .
شئنا أم أبينا فأمريكا تؤثر في سياستنا الداخلية ، ومصر تؤثر في سياسة أمريكا الخارجية على الأقل فيما يخص المنطقة المحيطة بنا ، سواء كانت في بعدها العربي أو الإسلامي أو الأفريقي وأيضا الشرق الأوسط وبالتالي فلا غضاضة في أن نجد إهتمام أمريكي مبالغ بما يحدث في مصر ، لا نقبل التدخل ، ولكن الواقع يؤكد حدوث هذا بشكل أو بآخر ، سيحدث يوما أن تتغير القواعد ، فالأيام دول .
على قدر أهمية ماسبق إلا أن الأهم هو التحليل الدقيق للأحداث والتوجهات حتى نصل إلى بعض النتائج التي قد توجه هذه الأحداث من جهتنا بشكل أفضل .

لقد راهنت القيادات الأمريكية السابقة على القيادات المصرية على حساب الشعب ، وكانت تستخدم مايقوم به ساسة مصر من قمع وقهر وتدمير للشخصية المصرية وتطفيش للعقول في خدمة الكائن الهلامي المسمى “إسرائيل” ، هذا الرهان أثبتت الوقائع أنه مضر بمصلحة الأمة الأمريكية بشكل كبير فالكيان الصهيوني إلى زوال ، وذلك موثوق من حدوثه آجلا أو عاجلا ، نعم أصبحت إسرائيل تمثل وجبة غير قابلة للهضم لدى كثير من اللاعبين المهمين في عالم السياسة الاستراتيجية ، وخصوصا أوربا والصين .
وحتى نعرف لم أوروبا والصين مهمتان في الأحداث ، يجب أن نقر بأن هذه الدول تقوم بحسابات دقيقة لتداول الحضارات ، لفترة معينة إضمحل دور أوروبا ومنطقة شرق آسيا سياسيا ، وأصبح هذين الجزئين المهمين من العالم مقسمين بين المعسكر الشرقي والغربي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وخلال الحرب الباردة ، ومنذ انسحاب القطب الشرقي من الصورة ، بدأت تظهر أقطاب جديدة ، أقواها على الإطلاق القطبين الأوربي والصيني ، ويظهر للعيان كيف أصبح لهما دور مهم ، وأصبح لهما إستقلالية في اتخاذ القرار تنمو مع الأيام ، هذه القطبية تؤثر على مركز الولايات المتحدة يوما بعد يوم .

أوروبا والصين لهم تاريخ في الحروب بعيدة المدى وطويلة الأمد ، هذا التاريخ يفوق بمراحل ما لدي الولايات المتحدة من ثقافة في هذا المجال ، كما أن أوروبا هي في الأصل سبب وجود الولايات المتحدة ، ومازال كثير من العائلات الأمريكية تحتفظ بتراث أصولها .

كل هذه الأبعاد تتجمع في النهاية لتحدد مصالح الأطراف اللاعبة ، و”إسرائيل” بشكلها الحالي لن تخدم في المرحلة القادمة أيا من هذه الأطراف ، خصوصا في ظل وجود أصوات رافضة لأن يكون بقاء إسرائيل سببا في استنزاف ثروات دافعي الضرائب .

من هنا كان الحل في مصر ، وكان لابد من إعادة الاستفادة من هذا اللاعب النائم في وسط الأرض ، فأحد المفاتيح المهمة لأفريقيا موجود في مصر ، سواء جغرافيا أم سياسيا وأيضا حضاريا ، لن تستفيد أوروبا من جيرتها لأفريقيا إلا من خلال مصر ، والصين عندما تنبهت للبعد الأفريقي والأوربي ، وجدت اللاعب الأمريكي يستغل إسرائيل كذراع ثانية لتوغله في القارة السمراء التي أهملها لفترة طويلة ، حتى خرجت تقريبا عن سيطرته ، خصوصا في ظل ضعف إستفادته من وجود حلفائه الضعاف سياسيا في أفريقيا مثل فرنسا وإيطاليا وغيرهما ، آخذا في الاعتبار أنهم جميعا في الطريق للخروج من تحت سيطرته ، بل إن المؤشرات ترشح إلى أن حربا قادمة خلال عقود ربما بين الولايات المتحدة من طرف وأوروبا بما فيها روسيا من طرف آخر.

الولايات المتحدة عندما أرادت الاستفادة من مصر في هذه اللعبة ، وجدت أن حليفها الوحيد نظام مهترئ ، دمر الشخصية المصرية ، ودمر الاقتصاد المصري الرسمي ، وصار من المهم أن تستقل مصر إقتصاديا وسياسيا ، ووجدت أن البعد المهم وهو الشعب أصبح خارج نظام الحضارة التي تؤهلة للقيام بالدور المطلوب منه في توازن اللعبة .

حتى نفهم الشخصية الأمريكية في عمومها ، هي شخصية تعتمد على قواعد مستقرة ، حتى في محاسبة الخارج عليها وهم كثر ، وعندما نجد أن أوربا الحليف الرئيسي الحالي للولايات المتحدة يلتزم بقواعد أيضا مستقرة ، واليابان الحليف الاقتصادي المهم لها أيضا يلتزم بقواعد ربما فاقت في حدتها مالدى الحليف الآخر ، فأصبح التعامل مع اللاعب الجديد شبه مستحيل .
بمعنى آخر لقد تورط العالم يوم أن ترك الحبل على الغارب للجمهورية المصرية الأولى في تدمير الكيان المصري ، وأصبح ضرر الفرد المصري بشكله الحالي مؤثرا في مجريات اللعبة ، أيضا ثبت للعالم أن الرهان على إسرائيل لم يكن مفيدا على المدى الطويل ، وندلل على ذلك بأنه وللمرة الأولى يقف العالم في صف المطالبة الفلسطينية باعتبارها دولة وإن كان بصفة مراقب في الأمم المتحدة ، كذلك قيام بعض الدول الأوربية بإدانة السياسة الاستيطانية لإسرائيل ، وإن كان موقفا لايقدم ولايؤخر في تصرفاتها على الأرض ، إلا أن دلالة حدوثه للمرة الأولى تدل على حدوث تغير في مركز هذا الكيان لدى بعض اللاعبين القادمين لإدارة العالم .
أتصور أن دوائر السياسة في الولايات المتحدة تعاني الآن من الحالة التي وصلت إليها مصر ، ويزداد إحساسها بالمعاناة كلما مرت الأيام دون أن يستقر المصريون على منهاج واضح للتعامل فيما بينهم ، لا أقصد الدستور طبعا فهو نقطة في بحر أهميات الحياة في مصر .
إن التدمير الذي حصل للحياة في مصر يفوق بكثير توقعات أي عاقل ، التدمير السياسي ، والاقتصادي والاجتماعي والنفسي ، مثَل أداة تدمير متعددة الأبعاد لأي خطط استراتيجية لدول نظنها بعيدة عنا .

لقد كانت تركيا قبل عقدين من الأن صورة مشابهة لمصر مع قليل من الرقي ، وقد حاربت تركيا لفترة طويلة للنهوض من كبوتها ، وكان أحد أهم أهدافها هي الانضمام للاتحاد الأوربي ، وفشلت ، الآن أؤكد أن أوروبا تندم أشد الندم لتعنتها في عدم ضم تركيا إليها ، فقد أثبتت أنها كانت رهانا ناجحا خسرته القارة العجوز ، في مقابلة رهانها على اليونان العدو التاريخي لتركيا ، واليوم أصبحت اليونان مع إسبانيا شوكة في خاصرة منطقة اليورو.

أيضا تجربة الأرجنتين عندما توقفت عن سداد ديونها قبل سنوات كان درسا مهما للاعبين الاقتصاديين ، وربما كان هذا سببا مهما لرفع القيود الغير معلنة عن دول أمريكا الوسطى والجنوبية ، خصوصا في ظل توزع أذرعة الولايات المتحدة على أكثر من جبهة ، وأصبحت نظرية شرطي العالم مكلفة للاقتصاد الأمريكي خصوصا ، والاقتصاد العالمي عموما ، ولا أدل على ذلك من الانسحاب الأمريكي من عدد من مناطق النزاع ، مع إنكماش دور حلف الناتو ، وانسحاب بعض دوله من مناطق النزاع إبتداء من انسحاب هولندا من أفغانستان ، ثم فرنسا والانسحابات من العراق.

نخطئ كثيرا عندما نطبع صور أفغانستان والعراق على مصر وماقد تؤول إليه الأمور فيها ، أفغانستان وماحدث فيها كان نتاج خطط وضعت في الستينات ، العراق وماحدث فيه كان نتاج خطط وضعت في السبعينات ، مصر وسوريا كانت لها بالتأكيد خطط أخرى ، إلا أن الأيام أثبتت أن الخطط طويلة الأمد لم تعد تجدي ، فدروس فايتنام وأفغانستان والعراق كلفت الاقتصاد الأمريكي ثروات طائلة كلفت أجيالا من دافعي الضرائب أغلى مايملكون وهي حياتهم التي قضوها يعملون لتغذية الحلم الاستراتيجي للعم سام ، وهذا وإن كان مقبولا في فترة سابقة ، فإن الأجيال الحالية تنبهت لهذه المكيدة التي أسقطهم فيها أباطرة السلاح والطاقة .

نعود لأرض الواقع .. مصر .. الأكيد أن الأجيال الهرمة ليست هي الرهان الذي ينشده العالم ، ربما الأجيال المتوسطة هي الأداة قصيرة الأمد لنجدة الأجيال الصغيرة من المستنقع الآسن الذي عاشت فيه مصر عقودا طويلة حتى تصبح هذه الأجيال قادرة على القيام بمهامها في خدمة التوازن المطلوب لتحقيق مصالح أجيالهم القادمة ، أيضا لا نتوقع أن القوى الإسلامية هي الرهان الأمثل للاعبين السياسيين ، إلا أنها الخيار الأوحد المنظم أمامهم ، وبالتالي فلا نستغرب وقوف الولايات المتحدة خلف الإخوان المسلمين ، ففي ظل تشرذم القوى السياسية الأخرى أصبح من الملائم أن تضع يدها في يد كيان منظم له تاريخ من العمل النضالي ، يديره أشخاص مؤمنون بقضية ، قادرين على تقديم تنازلات سياسية تناسب المرحلة ، لديهم القدرة على إتخاذ القرار ، ولديهم القدرة على دعم القرار حتى ولو كان خاطئا من وجهة نظر البعض .
المطلوب من القوى الإسلامية التنبه بشدة إلى أن البعد الأمريكي على قدر أهميته إلا أنه ليس الرهان الوحيد الباقي لمدة طويلة ، ايضا لعبة السياسة وماتتسم به من الحرص على المصالح العامة لا تترك للاعب حليف دائم ، ولعبة التوازنات هي أقسى التجارب التي قد يمر بها فريق سياسي ، فقد تصل إلى ما يتعدى عض الأصابع وتكسير العظام .

من هنا أجد نفسي مدفوعا لتوجيه رسالة مهمة للسياسي المصري ، أرجوه رجاء حارا ، يجب أن ترتفع بمستواك من مستوى التفكير قصير الأمد قريب المدى ، فعمر أي سياسي في المرحلة القادمة لن يزيد بأي حال من الأحوال عن عشر سنين ، خصوصا للأجيال المتوسطة .
الأمر الآخر أنت محمل بتركة ثقيلة مهترئة تنزف من كل جانب ، المشكلة أنك عندما تبحث عمن يساعدك في حملها فلن تجد إلا كثيرا من ضعاف الإمكانيات الفكرية والعقلية والعلمية – وهؤلاء جزء من رعيتك سيدي ، أنت مسؤول عنهم – كما ستجد كثيرا من ضعاف النفوس وأصحاب المصالح الشخصية والتطلعات – وماتجربة ما مررت به من تحالفات منذ اليوم الأول حتى الآن وماتبعها من إنشقاقات واختلافات إلا مثال حي على ذلك – وبالتالي فإن إعتمادك يجب أن يكون على قناعاتك الخاصة مهما كانت مرفوضة من البعض ، وكذلك على المحافظة على فريقك متماسكا لأطول فترة ممكنة.

أيضا يجب أن لا تراهن على قوة واحدة سواء داخليا أو خارجيا ، بل وازن بين القوى في حدود مايخدم هدفك ، ولا تلعب بأوراقك المهمة فحرق الأوراق كحرق المراحل يؤدي في النهاية لكثرة التلفت للخلف .

الإعلام هو أسوأ أداة تستخدم لحرق المخططين ، فاحرص دائما على تركهم بعيدين عن مرمى العلانية ، واحرص دائما على استقرار تكوينهم قدر الإمكان ولا تستهلكهم في المناصب التنفيذية أو المواقع الحزبية
يتبع

Advertisements

5 thoughts on “قراءة في البعد الأمريكي للسياسة المصرية (1)

  1. MaZaGAngeE

    مقال جميل … لكن الكانب اهمل دور فئات الشعوب المختلفة داخل البلاد التي تحدث عنها ( تركيا , مصر ,الارجنتين , اليونان ,… )

    إعجاب

    رد
  2. Amin Saleh

    المقال جميل و التحليل منطقي آخذا في الاعتبار أبعاد المشهد الحالي و دور القوى العظمى التي تلعبه الآن في ظل الظروف التي تمر بها مصر. جزاك الله خيرا.

    إعجاب

    رد
  3. Yahya

    لقد قرات المقال وفيه نظره تحليليه عميقه قد تكون في المدى القصير غير مستوعبه للقارئ العادي وقد تكون ذات معنى للقارئ المحلل اكثر من القارئ المبرمج بالنظريات والايديولوجيات . فانا اتفق معك ان الدور الاستراتيجي لمصر تم تفتيته باستخدام سياسه (الفاسد المنتفع لما بعد مرحله الانفتاح) ومنهجيه برمجه العقليه المصريه العامه ودفعها الى ان تكون اما أ. مهاجر اوراغب في الهجره او ب. فاسد بالسلطه يرَّغب او يرَّهب فهو يرغب الكثيرون من المنتفعين في سلوك طريق الفساد وسيله لنجاح مادي موهوم او وصولي من خلال الانتماء الى طبقتين متكاملتين رجال الاعمال الفاسدين وسماسرتهم وحجابهم ومن والآهم (من موالاه) او المسولين في الحكومه والحزب ومن والاهم ايضا وما بين هولاء واولائك رُبِطت جسور بين هذين الفريقين كانت اكثر من الجسور التي تربط بين ضفتي النيل في مصر. نعم التدمير الممنهج للشخصيه المصريه جعلت حتى من المصري الواعي او المتعلم اما محبطا او مهاجرا او منحرفا مع التيار اما الاغلبيه الساحقه لم ترى هذا او ذلك وكانت مشغوله بما خطط له منهجيا وهو الحاجه….لكل اساسيات الحياه او الخوف والاسقاط وهذا ينطبق مثالا على كثير من الدول العربيه التي انتفضت عللى طغاتها في عصر التواصل الالكتروني فالسوال هل دور مصر سيتغير الان? هل دور إسرائيل ما عاد كسابق عهده في ايام كسنجر وولفوتز وديك تشيني من نفوذ? هذا لن يحدده الا نتائج الثورات العربيه بما فيها مصر وسوريا والتغير الاهم في منطقه منابع النفط في الخليج التي كانت السبب الاول في رايي في كل ماحدث في العراق وافغانستان وامتداد لردات فعل حظر النفط العربي في السبعينات وغربله الحكام والانظمه العربيه ما بعد حرب ٦٧ ما بين خائن علني او منحرف خفي. دور مصر والمنطقه لن تحدده امريكا في رايي الا اذا استمر ضعفنا في المنطقه العربيه اكبر من ضعف الولايات المتحده المتزايد اقتصاديا واستراتيجيا بما في ذلك اسرائيل …سيبقى العرب في القاع برايي ان لم يقفوا متفرجين خلال الحقبه القادمه التي سيعاد تشكيل مناطق النفوذ في العالم بواسطه الصين وروسيا وامريكا اللاتينيه مع ايران الا اذا تحالفت اوروبا مع امريكا في خلق ثنائيه القطب من جديد وعندها سنبقى الكره التي يشوطها الفريقين. لقد استمتعت بتحليلك وانتظر المزيد يا استاذ احمد

    إعجاب

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s