قراءة في البعد الأمريكي للسياسة المصرية (2)

الولايات المتحدة كيف قامت ؟ ربما الإجابة عن هذا السؤال تفتح لنا أبواب فهمٍ لأبعاد تأثيراتها في السياسة المصرية ، فعندما اكتشفت القارة في 1498 أصبحت – كعادة الإنسان المحب للسيطرة – نهبا للأوروبيين الراغبين في الحياة الجديدة ، وقامت في سبيل ذلك حروب استمرت حتى إعلان الاستقلال في 1776 ، وما تبعه من حروب مع بريطانيا حتى استقلت نهائيا وأعلنت دستور الولايات المتحدة الأمريكية في 1788 ، ومن يومها وهذه الدولة في حروب لم تنتهي ، إلا أن المتأمل في تاريخ هذه الحروب يجدها أولا وأخيراً حروب إثبات ذات ، وفرض سيطرة وإثبات وجود ، مايزيد على القرنين من الزمان لم تخض الولايات المتحدة حرباً يمكن أن توصف بأنها دفاع عن أرضها ، حتى هجوم اليابانيين على بيرل هاربر لم يكن بغرض احتلال وإنما كان رد فعل على عمليات حربية أمريكية .
واهم من يظن أن الولايات المتحدة مخطئة في محاولتها فرض السيطرة ، فهذه طبيعة الأشياء ، القوي لايرضى إلا أن يظل قوياً .
تطور الأمر حتى صارت حرباً للسيطرة على مصادر الطاقة وحمايتها خصوصاً منطقة الشرق الأوسط التي كانت ومازالت مورد الطاقة الرئيسي لأغلب دول العالم ، وبالذات الولايات المتحدة .
وإذا علمنا أن الولايات تنتج يومياً حوالي تسعة ملايين برميل وتستخدم حوالي عشرون مليوناً ، فإنها وبلا شك في حاجة ماسة لتأمين مصدر مهم لنصف احتياجاتها من الطاقة ، وبالتالي كانت القوة العسكرية هي محور اهتمام السياسة الأمريكية .
ما الذي تغير ؟ الولايات المتحدة التي لم تكن يوماً لاعبًاً في سوق تصدير النفط والغاز في طريقها الآن للاكتفاء ذاتيا وطبقاً لخططها الموضوعة ستصل لهذه النقطة في العام 2017 ، بعد اكتشاف النفط الرملي والنفط الحجري ، كما أنها تخطط لدخول سوق التصدير قبل حلول عام 2030 .
إذا فنحن أمام تغير جوهري في قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية ، وبالتالي العسكرية ، خصوصاً عندما يساند متطلبات السيطرة التطور الهائل في عالم التكنولوجيا والاتصالات التي تضع الولايات المتحدة يدها كاملة عليه بدون أي منازع.

في حالة كالتي نصفها يجب على الولايات المتحدة أن تمهد للاستغناء عن حلفاء فرضتهم المصلحة السابقة ، وهذا ماسيحدث ، ستلقي عن كاهل دافع الضرائب الأمريكي كثيراً من تبعات حماية موارد النفط ، ومن ضمنها حماية منطقة الشرق الأوسط بما فيها منطقة الخليج العربي وإسرائيل ، إلا أن دواعي السيطرة تستبع أن يظل هناك حليف قوي في المنطقة أو أكثر .
مصر بثقلها الاستراتيجي هي الخيار الأول ، تأتي بعده أو توازيه في الأهمية تركيا ثم إيران ، وحتى ننتهي من مناقشة تركيا وإيران ، فإنهما تقعان في خاصرتي عدوين قادمين بقوة للولايات المتحدة ، روسيا وأوروبا ، فروسيا العدو التقليدي للولايات المتحدة بتحالفها مع الصين والهند سيمثلون صداعاً قوياً لخطوط التجارة الأمريكية في القريب العاجل ، وأوروبا العدو الكامن لها ، والذي كما أسلفت ستكون الطرف الثاني في حرب الولايات المتحدة القادمة خلال عقود.
نقطة الارتكاز الوحيدة المتاحة للولايات المتحدة ستكون أفريقيا ، وكما أسلفنا فإن المفتاح الأهم لأفريقيا موجود في مصر ، وحيث أن أوروبا والصين لا غنى لهم عن مصر أيضا للولوج للقارة السمراء ، فإننا وبلا شك سنكون محور اهتمام أقطاب العالم خلال السنوات القادمة .

نستطيع بقوة أن نستفيد من هذه التداخلات ، إلا أننا على الجانب الآخر قد نكون وأجيالنا القادمة ضحايا هذه المنازعات ، وكما قلنا سابقاً الولايات المتحدة لا تتحالف مع ضعيف أبداً ، وليس من مصلحتها وهي على أعتاب سياسات جديدة أن تخوض في وحل حرب جديدة في المنطقة للسيطرة على مصر كما حاولت سابقاً أن تفعل مع العراق.
وليس أدل على ابتعادها عسكرياً عن المنطقة من عدم تورطها بشكل مباشر في القضاء على النظام الليبي ، كذلك عدم ذكرها من قريب أو بعيد في إحتمالات التدخل العسكري في سوريا وهي التي كانت بنداً أساسيا في خطتها المعلنة بعد العراق .

من هنا أصل لنقطة مهمة ، هل مصر عرضة لخطط التقسيم ؟ الإجابة من وجهة نظر الولايات المتحدة بالتأكيد ستكون في صالح مصر ، هي لا تهدف لتقسيم مصر فضلاً عن كونه ليس في مصلحتها ، أيضا هو أمر صعب الحدوث خصوصاً في ظل توزع العائلات المصرية في جميع أنحاء القطر ، فلا يعقل أن تقسم دولة تزوج أبناء الصعيد من أبناء الوجه البحري ، واستقرت عائلات بأكملها هنا وهناك ، كما أن مصر في النهاية ليست دولة يمكن تقسيمها على أساس دين أو طائفة .
هل ستتقسم دول أخرى في المنطقة ، ربما ، وقد يكون هذا سبباً فيما يظهر أنه مقاومة لبعض الدول المحيطة لخطط المصريين للنهوض تحت دعوى مناهضة تصدير الثورة ، ولذلك سيكون الحل الأمثل لدول الخليج مثلاً التوجه بسرعة لخيار الوحدة ولو كانت مبدئيا على غرار الاتحاد الأوربي .
هل يضر ذلك بمصالح مصر ، بالتأكيد لايضر ، ومن المفيد لمصر أن يكون أمامها كيان قوي متوحد تضع يدها في يده إذا ادلهمت الخطوب ، قد يظن البعض أن إيران هي الخطر القادم ، حقيقة الأمر أن أياً من الطرفين العربي أو الإيراني إذا فكر في الآخر كعدو محتمل فإنه بذلك يرتكب خطأ كبيراً ، كما أنني تعودت عندما أقرأ الأحداث السياسية أن أستبعد قدر الإمكان المواقف المعلنة مالم يؤيدها دليل آخر ، كل الدلائل تشير إلى أن مايحدث بين إيران والولايات المتحدة ماكان إلا موازنات مرحلية ارتبطت بحاجة الولايات المتحدة في وقت من الأوقات تنحسر أهميتها مع الأيام ، ولم يتضرر من هذه المرحلة إلا الشعب الإيراني ، وبالتالي أستطيع أن أؤكد أن إيران في طريقها لتكون رقماً صعباً في المعادلة بين الشرق والغرب ، وليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تخسر إيران حتى لاتضعف نقطة ارتكازها أمام روسيا والصين والهند ، وأي مواجهة بين إيران والعرب ستفقد الولايات المتحدة قدراً كبيراً من ميزاتها الاستراتيجية – التي تكونت على مدار عقود في المنطقة – أمام أعدائها ومنافسيها الجدد.
إن دور مصر المحوري آخذ بالتشكل ، وعلى قدر مايقاومه البعض ، فإن المستفيد الأكبر من سرعة تشكل هذا المحور هو الولايات المتحدة ، ثم أوربا ، إلا أن استعجال هذا الدور ليس مطلباً ملحاً لهما ، وعليه فلامانع لدى الولايات المتحدة أن تساند الإخوان في الوقت الحالي حتى يقوموا بهذه المهمة ، خصوصاً في ظل ماتمر به من ضعف اقتصادي ، يشرف على أن يكون كارثة مالية تهددها كما تهدد أوربا ، ولذلك فكلتاهما مشغولتان الآن فيما هو أهم ، حيث أن هذه الأزمة القادمة لو لم تحل حلاَ نوعياَ فإنها كفيلة بإشعال ثورة داخلية آخذين بالاعتبار النمو الذي حققته دول قريبة من كليهما كالمكسيك ، والبرازيل وتركيا .
هل الإخوان قادرون على قيادة هذه المرحلة ؟
سؤال صعب ، لأن إجابته مرتكزة على أكثر من محور لايقل أحدهم أهمية عن الآخر .
1- يجب أولا أن نقر بأن الولايات المتحدة ستنشغل في الفترة القادمة داخلياَ أكثر من السابق ، وبالتالي أعتقد أنه لفترة معينة لن تكون حاضرة في المسرح السياسي المصري إلا بصفة مراقب للأحداث ، وبالتالي فإن الدعم الاستراتيجي الذي كان يقدم لمبارك لن يكون متاحاً أمام النظام الحالي.
2- إذا استمر النظام الحالي بإدارة الأزمات الداخلية بنفس المنهج الذي بدأ به ، فإنه سيعمق الشروخ بين مكونات الوطن ، حتى إذا جاء الوقت الذي يجب أن تقوم فيه مصر بدورها المطلوب دولياً سيكون من المستحيل أن تتحالف معهم القوى اللاعبة في حينه ، وبالتالي سيتم التخلص من النظام الحالي مستخدمين أسلحة كثيرة أهمها سلاح الديمقراطية .
3- الأجيال الصغيرة حالياً والتي ستدخل المشهد السياسي قريباً تعرضت لنوع جديد من التربية لم يتح لسابقيهم ، وبالتالي سيفرز المشهد عن قوى سياسية داخلية جديدة ستكون رهاناً جيداً للقوى السياسية الخارجية .
4- تشكل الخريطة السياسية المحيطة بمصر بعيداً عن يد التعاون المصرية ليس في مصلحة الجميع بما فيهم الإخوان ، ولذلك فإن المحاولات العربية لدفع مصر للانكماش داخلياً ليس مفيداً للجميع ، بما فيهم الولايات المتحدة وأوربا ، وبالتالي سيكون الخيار الأمثل هو تغيير النظام المصري الحالي .
5- في المقابل يستطيع النظام الحالي موازنة رهاناته ، مابين الداخلي والإقليمي والدولي ، ففي الداخل يجب أولا حل مشكلتي الأمن والاقتصاد ، ويجب أن تتغير لعبة الاقتصاد نهائياً ، غير متمثلين بأي من التجارب السابقة ، لأن الزمن والوضع الاقتصادي العالمي قد تغير ، أي أننا سنكون في بحر لجي لوحدنا في هذه الناحية ، لن يساعدنا أحد ، ربما تستطيع تركيا وبما يخدم مصلحتها فقط ، قد يكون الرهان الصيني والهندي مفيداً في هذه المرحلة ، ولكن بقواعد مختلفة ، أيضا العمق الأفريقي وإن كان مكلفاً لمصر في الوقت الحالي إلا أنه يمثل استثمار طويل الأمد يجب التضحية بما لايضر في سبيل الانتشار فيه بشكل مدروس .
6- البعد الإسرائيلي الذي سيختفي قريباً من المشهد لن يكون صداعاً قوياً للنظام الحالي إلا إذا تعاملنا معه على أساس قناعاتنا باختفائه ، لأنه سيقاوم مقاومة المذبوح ، عندها سنقع فيما لاتحمد عقباه ، آخذين في الاعتبار أن إسرائيل ستختفي من الأراضي المحتلة بحكم التاريخ والمعتقدات والتوازنات ، إلا أنها ستخلف أسرائيل هلامية منتشرة في أكثر من مكان في العالم مستخدمة في ذلك الشركات متعددة الجنسيات ، والتكنولوجيات الحديثة ، وبالتالي فالوضع الإسرائيلي يجب أن يمثل فصلاً مهماً في كتاب الاستراتيجية المصرية لفترة ليست بالقصيرة .

Advertisements

One thought on “قراءة في البعد الأمريكي للسياسة المصرية (2)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s