هل قررت (الجماعة) التخلص من (الإخوان المسلمون)

كأنما قررت (جماعة الإخوان المسلمون) السياسية التخلص من (جماعة الإخوان المسلمون) أو هكذا يبدو .
تحول المشهد إلى نخبة سياسية تلبس الأنيق ، وتتلمس المحمول بعد أن كانت تتلمس الطريق ، وصارت تظهر على شاشات التلفزيون تتحدث كما تتحدث النخب.
ليست هذه جماعة (الإخوان المسلمون) التي كنت أقرأ عنها وأنا طفل لم يشب عن الطوق في مجلة الدعوة من خلال درر المرحوم الأستاذ عمر التلمساني ، لا أفهم أغلب الكلام ، ولكني أحس “بأعباق” جميلة ، مختلطة معانيها برائحة الورق وحبر الطباعة والصور التي تعتبر الآن متخلفة بمقاييس العصر.
ليست هذه جماعة (الإخوان المسلمون) التي كنت أسمع فيها سير الرسول والصحابة ، ومعاني الحب من المرحوم الحاج عباس السيسي ، حتى أنه سمى كتابه الدعوة إلى الله حب.
أفتقد جداً حديث هذا الرجل الذي عاش منذ خرج من سجن عبدالناصر يعاني من الأمراض ، إلا أنني لم أره يوماً إلا مبتسماً ، لم أسمعه وهو يدرس الناس يصرخ صراخ الأهوال كما نسمع الآن ، ولم أسمعه يوماً تخرج منه “العيبة”، ولم أسمع صوته عالياً إلا بضحكته المميزة ، التي على قدر ثقة الرجل بنفسه على قدر ماتشعر فيها بخجل وتواضع ، هذا الرجل – ربما دلاله لي هو الذي أفسدني – فمحدثكم إلتقى بالرجل وهو ابن سبع سنين ، وما تحدث معي يوماً كطفل ، كان يسلم علي كما كان يسلم على كل الحاضرين ، ويرحب بي كأنما يرحب بفلذة كبد آت من بعيد.
هذا الرجل الذي أحدثكم عنه ولد في 1918 بمعنى أنه يكبر أبي بعقدين ويكبرني بأكثر من خمسة عقود .الغريب أنني كنت أشعر بالغيرة من الذين يتحدثون عن علاقتهم به ، ويصفونها بأكثر من ذلك ، فهذا كان ديدنه مع كل من عرف ، والأجمل أن كل من رأيت من جيله ومن جاء بعده كان هذا حالهم أو قريب منه.
ليست هذه (جماعة الإخوان المسلمون) التي أصدق أن جاء فيها مؤلف كتاب (سر المعبد) ، الأكيد أنه كان يعيش في غير الجماعة التي لا أدعي شرف أني عشت فيها ، ولكن أدعي أنني اقتربت كثيراً جداً من بعض رجالاتها العظام ، الرجل يتحدث بقريب من روح الصدق التي عهدتها فيمن التقيت به منهم، ولكني لا أستطيع أن أصدق كثيراً مما قال .
نعم هناك جانب من شخوص (جماعة الإخوان المسلمون) تلوثوا ، وهذه حقيقة مررت بها ، وما أنا شاهد عليه دخول بعض الأشخاص لهذه الجماعة من غير بابها ، قفزوا عليها قفزاً ، إلا أنني وللأمانة ماعلمت عن القيادة الحالية اعوجاجا في دين أو خلق.
ما يؤسفني أن جماعة (لإخوان المسلمون) التي تفننت يوماً في مهارة حيازة القلوب ماعادت كذلك ، نعم كانوا يأسرون بسحر حديثهم االكثير من القلوب ، ربما لست في حل من ذكر أسماء شباب جلست إليهم وسمعت حديثم في جدهم وهزلهم ، أشهد أن كثيراً من هؤلاء تربوا ليأسروا القلوب برفق.
جماعة (الإخوان المسلمون) كانت سباقة أكثر من غيرها لنجدة الملهوف في كل الأحوال دون ارتباط بحدث ، فمع الزلزال تراهم ، ودون الزلزال يتحركون ، لم تكن مساهماتهم مرتبطة بسياسة أو برأي عام يكسبونه أو أصوات “يرشونها”.
اليوم نتحدث عن أشخاص يتحدثون غالباً حديثاً مقعراً ، يشبه غيره كثيراً ، حتى الرئيس ، لم ألتق به ولم أسمع له حديثاً في الدعوة أو الرقائق ، ولكن إن كان هذا أسلوبه في الدعوة فالأكيد أنه فقد في حياته الكثير من القلوب ، نبرة حديث أقطاب الحزب لا تشي بأنهم جلسوا يوماً مجلس المتعلم أو المعلم ، مفردات حديث المتحدث الرسمي مفردات نذير يقول صبحكم ومساكم ، لا تحمل أي بشارة أبداً.
وثالثة الأثافي أن التواصل الجماهيري أصبح على أحد شكلين :
– إما من خلال مقرات الحزب ، أي أن الحديث حديث سياسة وتنظيم وحزبية ، وبالطبع ينكمش دور حديث القلب للقلب أو يكاد ينعدم .
– أو مانراه نحن من حديث في المساجد بعيد كل البعد عن ما ألفناه ، أخذ فيه الدفاع عن الرئيس ، والدستور وموقف الحزب ، صورة تشبه الحديث في الدين ولا تمت إليه بصلة ، واختلط فيه خطاب ذوي الدين مع ذوي النوايا الحسنة مع المتسلقين ، وأضحى الكلام ضرباً من ضروب الصراخ لايمت لفنون الخطابة من قريب أو بعيد .
ومع إحترامي لمقام منبر رسول الله والواقفين موقفه ، إلا أن هؤلاء السادة أضروا بخطاب (جماعة الإخوان المسلمون) أيما ضرر ، وصار ركيك لغتهم سهماَ مرتداَ على من يحبون ، وهذا مرده – ربما – لحداثة أغلبهم في مجال السياسة ، التي تنبني في كثير من مواقفها على لي عنق الحقيقة ، وهذا فن لا يمكن أن يجيده خطيب مرتجل على منبر .
أضف إلى ذلك قلة وعي المتلقي العام الذي ما كان يعرف من الجماعة إلا أنهم مجموعة من العباد تكرههم السلطة “الغاشمة” التي هو أيضاً يبغضها ، ثم فوجئ ببعض حديثي العهد بالحرية – الذين ليس لهم أي ارتباط بالجماعة – صار كل منهم يغني على ليلاه ، فالذي يحارب الفساد من باب الفن ، والذي يهاجم الإعلام ، والذي يهاجم “أعداء الله” من الليبراليين والعلمانيين ، والذي خلط الحابل بالنابل ، والذي كذب ، والذي اتهم بفاحش الفعل والقول ، فوجئ المتلقي بكل هؤلاء يتحدثون في الدين والسياسة ، ولم يجد أمامه إلا جماعة الإخوان المسلمون يلصق بها صورة كل ما صدر عن ماسمي (التيار الإسلامي) ، والجماعة لضعف آلتها الإعلامية لم تستطع أن تميز للرأي العام الخبيث من الطيب .
إن أشد ما آسف له أن (جماعة الإخوان المسلمون) عندما أهتمت بالسياسة العامة ، أهملت سياسة تأليف القلوب .
تخيلوا معي خالد بن الوليد يوم أن أقاله الخليفة عمر بن الخطاب من قيادة الجيوش وقد ذهب بفوج من رفاقه وأعلن إمارة جديدة للمسلمين .
لقد وضع صناع القرار في الجماعة أول معول هدم فيها يوم أن صار المنشق عنها عدواً لها ، فصار كل عضو منتظم عدواً محتملاً لها ، وهو مازال في داخلها .
عندما يظهر هذا الخط في أي جماعة ، فردَ عليها السلام ، عندها يبدأ تفسير المواقف بسلبية ، وفهم الكلام على غير وجهه ، وتتشرخ القلوب ، وتتراخى الأيدي القابضة على بعضها حماية لوحدة الصف والكلمة ، فيصير القاصي منها ليس في موقع القلب من الداني ، وتتفتت الجماعة .
أخشى أن يكون قد اندس في صف (جماعة الإخوان المسلمون) من حمل أجندة تفريعها من محتواها تمهيداً لمحوها من الوجود.

لقد قامت الجماعة – بتصرفات بعضها ، وبجهل آخرين – بدور سيحاسبها الله عليه أشد الحساب ، يوم أن جعلت فريقاً من المسلمين – فضلاً عن غير المسلمين – جعلتهم يستنكرون بعض حديث يحتوي فتات موائد الفقه النائية في زوايا كتب الأولين ، فتجرأنا بذلك حتى صرنا في كثير من الأحيان ننكر بعض ماهو معلوم من الدين بالضرورة ، بحجج كثيرة ، منها التوقيت ، وحالة المجتمع ، والتدرج ، وصار البعض منا ينكر حتى على عالم حديثه في صحيح علمه.
أعتقد بأنها من المرات القليلة في تاريخ الإسلام التي يتحدث فيها مسلم عن بعض ماجاء في دينه علانية بما لا يليق ، ولا أتخيل عاقلاً ممن التقيت بهم في حياتي من أعلام (الإخوان المسلمون) كان قادراً على تحمل ذنب كهذا .
لقد تحولت صورة الجماعة ، إلى صورة فصيل سياسي ، ينسحب عليه ما يؤخذ ويرد ، حتى وصل الأمر بالبعض إلى مناقشة حقهم في الوجود ، وأخشى أن يأتي جيلهم القادم أو الذي يليه ، فلايجد ما يدافع به عن دعوته وجماعته .
لقد فسد كثير من جو الجماعة يوم أن بدأ فيها تقسيم النخب ، بناءً على حجم العائلات المنتمية ، وصار لبعضهم نفوذ يطغى على حق آخرين ، وصار الإقصاء ديناً متبعاً ، وأضحى الشذر والقلق ونظرات طرف العين سمةً غالبة في كثير ممن من الله عليهم بنعمة “التصعيد” لمن من الله عليهم بنعمة “التحجيم” !!
إن (جماعة الإخوان المسلمون) ماجاءت الآن لسدة الحكم إلا لسببين :
– الأول سنة الله في الأرض ، سنة التغيير والتمكين
– والثاني وهو مايعنيني هنا ، أن لها دوراً مطلوباً لمرحلة معينة تطول أو تقصر ، يريد طرف من لاعبي السياسة في العالم لهذا الجزء منه دوراً – نرضى عنه أو نرفضه هذا لايهم فالأمر ليس بيدنا بعد – هذا الطرف يتنازع الأمر مع غيره ، ولا نعلم حقيقة الدور المرسوم لنا ، إلا أن ما أنا واثق منه أن دور الجماعة دور مرحلة ، إذا ما انتهت ، فإنها ستعيش أصعب أيامها على الإطلاق ، والمطلوب من أي فصيل يكون هذا وضعه أن يمارس من أدوار الحذر والسياسة أصعبها وأقصاها حكمة على الإطلاق ، لأننا في النهاية نتحدث عن وجود من عدمه ، نتحدث عن أجيال قادمة ، نتحدث عن دين يظن البعض أنكم جزء ممن حمل أمانته ، نتحدث عن أرض وتاريخ ومستقبل وأمة ، لايصح أن يكتب في صفحاتها أنها كانت مضمحلة ، ثم سقطت من حسابات الزمن بفعل جماعة ظهرت وأفلت إسمها (جماعة الإخوان المسلمون) .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s