يارئيس .. يا سائق القطار … أما آن لهذا القطار أن يتوقف ؟!

سيظل حادث قطار البدرشين ملهماً لقريحة الكتاب والمفكرين والثوريين والناشطين والمعارضين والمؤيدين لفترة من الزمن ، ننسى بعدها الدماء ، ولا يوقظنا إلا قطار آخر أبى أن يسير كما خلقه الله ، ثم يسير هذا القطار مرة أخرى ، حاملاً أكياس دم تسمى البشر ، حاملاً مشاريع صرعى ومصابين ، يصبحون لاحقاً مجرد كلمة في خبر ؛ فيسمون ضحايا، أما عائلاتهم فيطلق عليهم أسر الضحايا ، ويصبحون أرقاماً في كشوف ، تقابلها أرقام هزيلة تسمى “التعويضات”.

ما بال هذا القطار ، أحببناه وكرهنا ، دفعنا دماء قلوبنا ثمن تذكرته ، ثم اكتشفنا أن دم قلوبنا يذهب أدراج الرياح ، يكنزه سفهاء قومنا ، بنفس الصورة التي أسوقها دائماً لذلك الأحمق الذي دخل مطعماً ووجد كلمة بوفيه مفتوح ، فلما قيل له كل كما تشاء ، فما اكتفى بالشبع ، وإنما جاوزه لحد الجشع ، فلما سكتوا عنه – بسفههم قبل سفهه – سرق الأكل والصحون والأدوات ، فلا هو استكفى ولا الزبائن أكلوا ، وخرب بيت المطعم وأصحابه.

بالغد بالتأكيد ستصدر قرارات ثورية باعتبارهم شهداء ومصابي حرب ، وهذا حقهم بل والله ربما أقل ، ولكن ؛ إن أنا مت غداً نفس ميتتهم فأي قرار سيصدر لي .

إن مات ولدي في الحادث التالي ففي أي كشف سيكون اسمي ، وهل سيحمل جريرتنا سائق القطار الذي لم يصل لهذه المكانة “العلية” إلا لأنه بالكاد ربما أتم تعليماً لا حاجة له في مهنته ، أم سيحمل أمانتنا عامل التحويلة الذي ربما كان عامل نظافة بالمحطة ، ثم فتح الله عليه بواسطة أو ببعض مال اجتزأه ليدفعه رشوة ليحصل على وظيفة لا تسد رمقه ، فيعمل في وظيفة أخرى ثم يأتي لينام منتظراً هاتفاً ينذره بالقطار القادم ، وقد تصل المكالمة أو لاتصل ، وإذا وصلت ربما استقبلها وهو نائم فاتم هنيأ نومه ، فيكون نصيب الضحايا أن يكون سبب وفاتهم إهمال بشري غير متعمد .

هذا المجند الذي مات ، ألم يصرف عليه أبوه دم قلبه في تعليم لا يسمن ولا يغني من جوع ليكون في يوم من الأيام طبيباً يتعلم المهنة في أجساد البشر ، أو موظفاً حكومياً يصيب ويخطئ ، ما ذنب أبويه بعد طول شقاء وعناء ، أن يكون آخرهم نعي أو كلمة مواساة أو رقم في كشف لا يساوي الحبر الذي كتب به.

ليس اعتراضاً على قدر الله ، فلكل أجل كتاب ، ولكن الفجيعة عندما تكون في غير محلها وعلى غير توقعها يكون لها وقع أشد ضراوة من ناب وحش ينهش فلا يميز لحماً من عظم.

من مات مات ؛ رحمهم الله جميعاً وتغمدهم بواسع رحمته .. والذي أصيب له الله ، وسينسى الجميع ، وينفض السامر ، كما انفض المئات قبله ، وسنعود للسياسة ، والدستورية ، واللجان ، والأحزاب والانتخابات والاحتفالات والموالد والموائد .

ويبقى الإنسان مشروع رقم في كشف تعويضات ، أو مشروع راقد على سرير تزوره القيادة السياسية تحت حراسة مشددة ، مصحوباً بأضواء تضيئ وتنطفئ لتضيئ مرات ومرات ؛ فقط في حضرته ، سواءً أحبها أو كرهها أو استعاذ منها ، فإنها في النهاية متطلبات المنصب.

أصبحت تحكم مشاعرنا متطلبات المناصب ، فالرئيس له متطلب على “مقاسه”، والوزير له “مقاس” مختلف ، والمحافظ لابد أن يتميز عن غيره ، ويبقى الشعب ، ذلك الشعب الذي تتغنى به المنصب ، فإذا ما اختلى صاحبه بنفسه أو بصحبه ما تعامل مع هذا الشعب إلا رعية ، وقد نحول المصدر فنصير رعاعاً.

أسمع يا سيدي كلمة واحد من الرعاع : أنت .. ما أنت ؟ … أنت سائق قطار في ثوب رئيس جمهورية .. أنت عامل تحويلة في ثوب رئيس جمهورية .. أنت عامل صيانة في منصب رئيس جمهورية ..

إنزع عن صورتك لباس رئيس الجمهورية واجلس مجلس ضحية في ثوب رئيس جمهورية ، أو تمثل أماً ثكلى في ثوب رئيس جمهورية

لو استيقظت يوماً وقد قررت أن تخلع ثياب رئيس الجمهورية وترتدي زي سائق القطار ، سيفعل فعلك رئيس الوزراء ، والوزير والمحافظ ، عندها سيتحول الشعب كله لسائقي قطار .

كل فيما يخصه ، المعلم سيكون سائق قطار الفصل ، والقاضي سيكون سائق قطار القضية ، ورئيس الحي سيكون سائق قطار النظافة ، ومخالفات البناء

عندها ياسيدي إن وجدنا أماً ثكلى ستجد ألف ألف يد تحنو عليها ، أما اليوم فكم أماً سنحنو عليها ، ونحن وأبناؤنا ما نحن إلا مشاريع ضحايا ..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s