الوهم الثالث : الحد الأدنى للأجور

لا أدري من هو صاحب بدعة المطالبة بحد أدنى للأجور ، الأكيد أنه لا يعيش في مصر أو أنه تعاطفاً مع العمال والبسطاء استجاب لهذا النداء ، ومازال المتعيشون يعتاشون من آلام وأحلام أولئك المنادين بهذا الوهم.

الأكيد أن سياسة الحد الأدنى للأجور مطبقة في كثير من دول العالم ، المتقدمة والمتوسطة ، وربما بعض المتأخرة …

ولكن في مصر …. لها طعم آخر

بكل المقاييس الاقتصادية ، مصر خارج نطاق التغطية ، فيما يتعلق بأي دراسات أو مؤشرات أو تقارير جادة ، لأن كل التقارير ما هي إلا تسديد خانات ، وذلك في أحسن حالات حسن النية ناهيك عن كل حالات سوء النية .
ودليلي على ذلك ما ذكرته في مقال سابق من أن مصر حكومة وشعباً لا تعرف على وجه التحديد أو التقريب تعداد البشر الذين يعيشون على هذه الأرض المباركة ، فضلاً عن باقي البيانات التي تصاحب دائماً الدراسات الإحصائية .

من التجارب المشهورة في مصر زيادة أسعار المواد الغذائية بمجرد إجراء أي زيادة على المعاشات أو الرواتب ، ويذكر الأقدمون أن من مواسم زيادة الأسعار تاريخ الأول من مايو من كل عام ، مع زيادة أجور العمال التي ارتبطت بالمقولة الشهيرة آنذاك (المنحة ياريس) ، وهذ بالطبع ما سيحدث مع أول قرار بوضع حد أدنى للأجور .

لنأخذ من الناحية الاقتصادية ما الذي سيحدث …

مثال بسيط كيلو الطماطم وليكن سعره حالياً (جنيهين) ، فإذا علمنا أن شركة توريد مواد غذائية كانت تورده للمطاعم والفنادق بهذا السعر إضطرت تحت ضغط القرار لزيادة أجور موظفيها ، وبعد حساب المتوسط وجدت أن الزيادة كلفتها حوالي 30% من سعر بيع الكيلو الواحد ، أضافت الزيادة للجنيهين صار السعر (جنيهين وستين قرشا) ، ثم لأن الشركة الموردة للوقود الخاص بالنقل زادت رواتب موظفيها بنفس النسبة تقريباً ، فأصبح السعر (ثلاثة جنيهات وعشرون قرشاً) أستطيع أن أزيد الصورة سواداً وقتامتة ولكن تخيلوا معي الصورة فمنذ اللحظة الأولى زاد السعر ما نسبته 60% على الأقل ومع الأيام سيزداد سعر كل شيء بناء على هذه الزيادة الهدامة ، التي لم نوضح تأثيرها المباشر وغير المباشر على السياحة التي بالطبيعة ستزيد من أسعارها أو ستزيد من معاناة العاملين فيها ، أيضاً لم نأخذ في الحسبان زيادات أسعار العاملين الغير مرتبطين بجداول الأجور كالمهن الحرة وغيرهم .

فماذا سيكون قد فعل صاحب هذا القرار “الخزعبلي الهلامي” ، جعلك سعيداً بمبلغ الألف والمائتين من الجنيهات ، التي هي في الأصل لا تساوي نفس قيمتها دون اتخاذ القرار ، ثم بعد القرار إنخفضت قيمتها بفعل اتخاذه ولنقل متفائلين 10% ، ومع تواتر زيادات الأسعار ستجد أن ما كنت تشتريه بمائتي جنيه أصبحت مع الوقت لا يكفيك لشرائه ستمائة جنيه ، وهذا إن كنت لا تعرف هو “التضخم” في أبسط صور تعريفه.

تلاحظون مما سبق أنني أبسط الصورة للمواطن العادي الذي سلم عقاله “لخبراء” الاقتصاد و “رجال” الدولة و”زعماء” النقابات و “قادة” المعارضة وخاتمة المتمة “السادة المستشارون” .

ولك عزيزي المواطن “العادي” أريدك أن تتذكر يوماً كاتبا “أقل من عادي” يقول لك اليوم أن هذا الوهم المسمى بالحد الأدنى للأجور سيكون مدخلاً للتلاعب أيضاً بوهمين آخرين أرجو أن يطول بي العمر لأحكي لك عنهما “الدعم” و “التضخم” .
بما سردته لك سابقاً فقد دخلت حظيرة التضخم من أضيق أبوابها ، وسيزيد هذا التضخم يوماً بعد يوم ، ثم يبدأ التلاعب بالدعم فهو كما وصفته سابقاً بأنه “منح من لايملك لمن لايستحق قدراً من المال الوهمي (نقود قذرة) لا رصيد لها ، يقوم تالياً بضخها في الاقتصاد ليسحب من جيب من يستحق مايظن أنه يملكه” .

هذا الدعم سيكون باب شد وجذب يلعبون به على أحاسيسك ، ومشاعرك التي هي فياضة ، وجياشة بطبيعتها فتوهمك أنك أصبحت خبيراً في كل شيء ، وعندها يخدرونك بأخبار زيادة الدعم للارتقاء بالفئات الضعيفة ، وتظل أيها المواطن “العادي” تنظر دائماً للأعلى لسببين ، الأول أن تدعو الله سبحانه وتعالى أن يمن عليك بالخروج منها سالماً ، والثاني تنتظر ممن في الأعلى أن يغدق عليك من مالك ، وكأنه يصرف عليك من جيب السيد الوالد.

هذه الخطة هدفها الأول والأخير أن تظل في شريحة “المواطن” ، لأنه أصبح في شريحة غير شريحتك ، فهو من “النخبة” وشريحة النخبة لا تتسع له ولك في ذات الوقت .

كلامي الآن موجه “للنخبة” واشهد معي أخي “المواطن” أنني سقت يوماً ما هذا الكلام ، عندما يحين الحين ويجد الجد.

ألا يوجد ياسيدي “النخبوي” في قواعد المالية ، والاقتصاد ، والنقد ما تستطيع به أن تضغط لرفع قيمة عملتنا ، هل كل وسائلك وآلياتك تؤدي فقط لخفض قيمتها .

لماذا كلما حاولت أن تصلح من اقتصاد الدولة تزيد أنت ثراءً ، ويزيد سعر العملة خسوفاً ، ربما لا تعلم كيف تحير أو تدير ، وهذا في أحسن الظنون أسميه جهلاً فتنحى بالله عليك رأفة بهذا الوطن ، ليس الرئيس أعني ، ولا الحكومة وإن كنت لا أخشى أن أصرح بها في الوقت المناسب ، ولكني أقولها لأولئك الذين صدعوا رؤوسنا بنظريات الاقتصاد والمالية والنقد ، وبعضهم لا يعرف الفرق بينهم ولا الارتباط بين كل منهما بالأخرى .

دمار كلماتكم وتحليلاتكم نخر في عظام هذا الوطن ، فأصبح السرطان في كل مللي ميكرون فيه ، بالله عليكم إرفعوا أيديكم عن البلد فما عدنا نحتمل .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s