أشفقت عليكم والله ..

استبدلت العنوان من “غر و شيبة وعالم ومجيد .. أيهم أنت؟” إلى “أشفقت عليكم والله”

حضرتني الآن مقولة لأحد المجيدين للقرآن عندما سئل: ما لك لا تصلي بالناس إماماً ، فكأنما قال : “إن بيني وبين ربي ما يجعلني أستحي أن يراني ، فكيف بي لا أستحي أن أجهر بخطابي له إماماً للملأ”..

تذكرت هذا الذي يستحي من ربه أن يقف بين يديه إماماَ للناس في صلاة ، يجيد القراءة فيها بصوت شجي يخطف الألباب ، بل وأنه مجيد لأحكام الصلاة والإمامة ، وتعجبت من هؤلاء يتصدون لحديث الناس في الإعلام ، يسوقون الهراءات ، وبتلاعبون بالأخبار ، ويلفقون الصور ، ويلعبون بأحاسيس البسطاء .

أشفقت عليهم وأشفقت أكثر على غر بلغ الحلم قبل ثوان بمقياس الأزمان ، يصعد منابر الكلام بصوت لم تغادره الطفولة ، يأصل وينظر ، ويدعو ويحشد ، داعياً لفكر لم يفهم أصوله ، ولم يرتب في وعيه معاني ألفاظه ، يهاجم ويلقي بنفسه في التهلكة غير عابئ بعواقب الأمور على الأمة ، غير مدرك لفداحة فعله و قوله ، يدفعه دفعاً تلك الورقة المستطيلة التي تحمل أرقاماً هزيلة وتوقيعاً أنيقاً .

أشفقت على ذلك الذي عركته الحياة ، ومابقي بينه وبين لقاء ربه أكثر مما مضى ، ومع علمه بسادر غيه مسبقاً ، جاء بأنيق الثياب وغالي المحمولات والمنقولات ، ليتحدث زوراً وبهتانا عن ألام الفقراء ، ومعاناة أمهات الشهداء ، يضع النقاط على غير حروفها ، يسوق الأحداث في غير مساقها ، واضعاً أصول أفكاره التي يدعو لها تحت نعل حذائه باهظ الثمن ، ومازال يرغي ويزبد وينفخ وينفح ، حتى حملته الجماهير على الأعناق في موكب يعلم هو قبل غيره زيفه وبهتانة .
وأشفقت أيما إشفاق على ذلك الذي تعلم الدين ، فظن أنه حارس باب الله ، وانحدر جهلاً وغياً حتى صد الخلق عن ولوج هذا الباب ، فكره الناس الدين ، وتطاول القوم بسببه على أحكام الله ، فباء بإثمه وإثمهم لاينقص من آثامهم شيئاً ، ثم أرغى وأزبد فتطاول بجهله على الله ورسوله ، فأصَل للسباب ، وأباح سفك الدماء ، للجمع وللفرد ، وجعل الأصيل عاجزاً عن الدعوة لدين الله ، حتى وصل الأمر بالمسلم لاستباحة حرمات بيوت الله حرقاً ونهباً وإيذاء لزواره .

كيف بي لا أشفق على من كان يوماً حديث أقرانه بياناً نتمثل معانيه ، وسجنه في سبيل دعوته منارة تضيئ شعلة الحياة لأجيال ، يقف داعماً له في محنته كل بر وفاجر ، واليوم ما أراه إلا متقعراً في الحديث ، يلوي عنقه قبل أن يلوي عنق الحقيقة ، يهاجم كما يهاجم الأخرون ، تنكر لأصل من أصول دعوته ” أدع إلى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ” ولو أنه تمثل هذا الأصل في دعوته لمباهج الدنيا وسياسة الأمة لحاز الإعجاب ، وكثر حوله الأحباب ، وانصرف عنه الغي وعازفي الرباب ، الذين يطربون شيطان الحساد .

أشفقت على كل هؤلاء وأشفقت على نفسي قبلهم فهذا المجيد علمني أننا تزيد أوزاننا ليس بما نأكل من طيب الطعام وسحته فقط ، ولكن تثقل كواهلنا تلك الآثام التي حملناها بنظرة في غير موضعها ، ولفظة في غير محلها ، لم نتب عنها في حينها ، جهلاً ونسياناً فكنا أيضاً كمثل الحمار يحمل أوزاراً …

فأي وزر أنا وإياك وجب أن نتخفف منه .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s