وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا

كثيراً ما توقفت أمام هذا الجزء من آية قرآن الله عز وجل ” وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين” من سورة البقرة

لا أقف أمامها من باب التفاسير ، فهي بحر متلاطم ، أنى لمثلي أن يخوض فيه ، ولكني أقف أمامها من باب التعجب مما آل إليه حالنا وأين سيصل غداً .
فالله سبحانه وتعالى عندما قال “كلها” فلا أخاله إلا علمه أسماء ذريته من البشر ، وأسماء الشجر والحجر والدواب والأشياء ملموسة محسوسة ، مرئية ومعمية .

وحتى يكتمل علم أبو البشر آدم عليه السلام على النحو الذي أراده الله عز وجل ، فلابد وأنه علمه العلوم ، واختزن في قلبه الآثار والأشعار ، وسير الأخيار والفجار ، أي أن الله سبحانه وتعالى يوم خلق آدم ، واختزن فيه ذريته ، زوده وزودهم من أول يوم بكل أسباب بقائهم ، وملأ ذاكرتهم بكل العلوم ، والأكيد أنه نقل بعض العلم لأبنائه وأحفاده الذين رأوه ، واختزن كل منهم ماقدر عليه ونقله لمن بعده.

إذا فعلم الله الذي حواه آدم بأمر منه شمل بلا شك كل ما مر بالبشرية ، وماتعيشه الآن وحتى قيام الساعة ، إلا أن محدودية عمر الفرد تجعله عاجزاً عن نقل كل ما يحمل إلى غيره ، ولو أراد الله سبحانه أن يجعل العلم كله بالنقل من جيل إلى جيل لفعل وهو القادر.

أما وأنه جعل للنقل محدودية حدها بطاقة الإنسان والزمان الذي يقضيه ، وتوسع مداركه لتفبل الأشياء ، فإني ما أخاله إلا أراد أن يرضي أشياء خلقها فينا ، كالغرور والطموح وأن يؤجج الوازع ، ويرتقي بالدافع.

وعندما علم آدم أراد من ضمن ما أراد أن يكبح ايضاً كل ماسبق وربما غيره مما لم نتمكن من الوصول إليه مما هو مزروع أصلاً في أنفسنا وكامن في ذواتنا ، أراد أن يعلمنا أننا مهما بلغنا من علم ، فلن يتمكن أي منا من أن يحيط ليس بعلم الله فحسب – وهذا متحقق لاشك فيه – ولكن حتى بعلم البشر ، فتوزع العلم ، وتوزع الجهل فكل عالم جاهل ، وكل جاهل بالتأكيد لديه علم.
نعود إلى أبينا آدم عليه السلام ، فأني لأعجب ؛ أي عقل كان لديه عليه سلام الله ، وأي عقل كان لدى الأقدمين ، الأكيد أن العقل الأول حوى ملايين أضعاف ما حوى اللاحقون ، وكأن الله سبحانه يؤكد لنا أن العقل الذي نفخر به أكثر من أي عضو آخر في الجسم ما هو إلا عضو مضمحل بطبعة ، وعلى قدر تضاد معطياته إلا أنه كلما اضمحل كلما زاد غروراً وجهلاً .

من ضمن ما أعجب له؛ ماذا لو أن آدم قلب عجلة نقل العلم ، واحتفظ لنفسه بما نعده اليوم أخر صيحات العلم أو تطور العلوم لاحقاً، وصدر لنا ما نراه اليوم تخلفاً حتى يصل الأمر بالمتأخرين إلى إيقاد النار بضرب حجرين ببعضهما .

تخيل معي أن الأديان نزلت أولاً ثم انتقلنا رويداً رويداً لعبادة غير الخالق حتى وصلنا لعبادة الأصنام .

كيف بك إذا ذهبت لعوالم على أرضنا غير مطروقة ووجدت فيها بشراً يعيشون على ما بدأ به البشر ، وكيف بنا إذا نما لعلمنا يوماً أن جزءاً من أرضنا انفصل عنا أو انفصلنا عنه وأن هناك بشراً في مكان ما من الكون أخذوا جزءاً من علمنا ، وكيف بنا أو بهم إذا ما قررنا أن نتقابل وأن نعيد أرضنا لسيرتها الأولى أي نوع من الحياة عندها سنعيش نحن وإياهم ، وأي نوع من الحروب قد نخوض ضددهم ، وهل سنتناسل نحن وإياهم .

الأكيد أن ماسردته الآن أوهام ، لأن الحقيقة الماثلة أمامنا أننا لم نسأل هذه الأسئلة ، أو على الأقل لم يصل لعلمي المحدود أن غيري سألها .

المقصد أننا أجهل من أن نحيط حتى بعلمنا الذي علمه الله لأبينا آدم ، فما بالنا بعلم الله .

إن جزءاً صغيراً من أية كشف لنا أسرار جديدة من جهلنا ، فكيف بالأسرار التي بين أيدينا ، ليس في القرآن فحسب ، ولكن في كل الكتب السماوية ، سواءً صدقنا أنها حرفت ، أو صدق غيرنا صحتها .

إن أبسط أنواع جهلنا بالحقائق أن النزاعات والاختلافات – التي ما أن تنشأ حتى تنتهي – مازلنا للآن لا نعلم كيف نئدها في مهدها ، بل لم يتعلم بعضنا أبسط قواعد الاختلاف ، وأبسط مبادئ الذوق .

السؤالين المهمين كم من علم الله مازال مخزوناً لدى البشر؟ ، وهل لن تقوم القيامة حتى ينفذ هذا العلم عن آخره ؟

Advertisements

2 thoughts on “وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا

  1. Louay

    بارك الله بك
    ولا فض فوك
    كلام جميل بحق، لقد كنت دوماً أقف عند هذه الآية وأستغرق في التفكير فيها….
    الله أعلم…هل أن العلوم التي تعلمها آدم من رب العزة تساوي العلوم التي كانت عند الأقدمين إلى يوم الدين…!!!
    هذا يقودنا إلى حقيقة وجوب التعلم والبحث عن العلم…والتي مفتاحها…”إقرأ”…
    …..
    وقد يكون لنا وقفة أخرى في قول الله تعالى:
    “فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون” ( 83 ) غافر

    تحياتي لك، وفقك الله
    لؤي

    إعجاب

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s