قيصرية من الظهر

لست من متابعي برنامج وائل الإبراشي ، فأنا أعتبره مثالا صارخا للصحفي الذي يهتبل الفرصة للإثارة (الزائدة عن حدها) على حساب أي شيء ، كما أنه يقدم أسلوبا ممسوخا لفيصل القاسم ، إلا أنه في كل الحالات التي شاهدته فيها يدير حوارا بين متضادين فلابد وأن يقف مع أحدهما ضد الآخر ، ولا أقصد هنا الحياد فالإعلامي المحايد من الأوهام المستحيلة كالعنقاء .
ما أستغربه أن شخصا كوائل الإبراشي تفرض عليه مهنيته أن يبدأ الحلقة وقد أعد له فريق إعداده بحثا كاملا مفصلا عن موضوع الحلقة .
ناهيك عن أن الفريق لو درس بمهنية كافة نقاط الأحاديث التي يناقشها هذه المناقشات الصاخبة لوجد فيها العجب العجاب الذي سيجعله أصلا عاجزا عن فتح الموضوع ، وإنما أضيف بأن إسهامه في الحلقة لا يعدو كونه مسخناتي ، يأخذ قشورا يبني عليها بداية سؤال يلجم محاوره ، في حين أنه لو جلس لسلفي متمرس في المهاترات لأفحمه بالنص وبالدليل المكتوب الموثق ، والحق يقال أن منهم طلبة علم متمرسون في ضحد الشبهات التي هي في الأصل مردود عليها منذ قرون.
المشكلة أنه أتى بعلماء باحثين وليسوا مجادلين ،والعالم الباحث ليس من العقل والمنطق أن تحصره بسؤال جدلي دون أن تكون أدوات بحثه تحت يديه وهي في حالتنا هذه مكتبته ومراجعه.
لايختلف أحد على أن الفقه مذاهب ، وكما لا نختلف في ذلك لم يتخلف أحد في أن الشراح قد التبست عليهم أمور كثيرة حتى وصل الأمر بأن دخلت الإسرائيليات في شروحهم وتفاسيرهم ، حتى ظن بعض العامة أنها من أصل الدين.
إن مناقشة الأمر اختلط بما يخالف المهنية الإعلامية ، بين رفضهم أن تدرس هذه النصوص لطلبة الأزهر ، وبين أن يطلع عليها العامة .
بالنسبة لطلبة الأزهر فالأمر ثابت بأن هذا علم بحت ، كأي علم يدرس فيه الطالب أصل العلم وتاريخه وشروحه ومتونه وحواشيه بصحيحها وخاطئها ، كما يحدث في أي مجال ، فطالب الاقتصاد مثلا مازال يدرس حتى الآن الاشتراكية مع أنها لم تعد نظاما قائما معترفا به حتى في دولته الأم ، وكذلك كثير من قواعد الطب التي ثبت خطؤها ولو لم يدرسها الطالب ، لربما جاء يوم وتمثل هذا الخطأ وسار عليه.

أما فيما يخص العامة فإنه قد ترسخ في كل العلوم أن الشخص الذي له مصلحة تقضى من باب من أبواب الحياة هو جاهل في علمه ، يذهب للحصول على الرأي والمشورة من صاحب هذا العلم ، كما في حال الطبيب تسأله فيشخص ويكتب دواءا لا تستطيع أن تسأله على دليل أو مرجع أو تفسير ، وإن لم يطمئن قلبك ذهبت لغيره .
الدين لا يختلف عن سائر العلوم في شيء ، و كما في حال كل العلوم باب التعلم فيها مفتوح ، وإعمال العقل مطلوب ومن يقل بغير ذلك جاهل مدلس ، المهم عندما تتعلم ، حتى لو تعلمت وبحثت لوحدك لا تصف الدواء قبل أن تجاز ممن اتفق المجتمع على أنها مؤسسة الإجازة ، فكما للطب كليات ونقابة ، وللمسيحية معاهد وكنيسة ، فللإسلام أزهره وجامعته.
أما إذا كنت ترفض الدين والأديان فهذا بينك وبين ربك وولي أمرك وهو الحاكم ، ولكن لا تلبس على الناس دينهم ، كما لن يسمح لك أحد أن تلبس عليهم علاجهم وغذاءهم وعسكريتهم وسياستهم.
إن كثرة الخوض في أمور الدين الإسلامي تحديدا من كل من هب ودب ، جعلت العلماء المخلصين يتعاملون أحيانا مع الرأي الآخر بنوع من التسلط ، وهذا التسلط مرده كثرة الجدال من غير المتخصص ، بالله عليكم قولوا لي كيف لو جاء رجل لطبيب وأصر عليه بأنه بدلا من أن يجري عملية قيصرية ويفتح البطن أن يفتح من ظهر الأم ماذا سيكون رد الطبيب.

في حالة الطبيب ، خالف المجادل قاعدة أصولية في الطب ، وهذا ما يحدث عندما تجادل عالما في الدين ، لاتدري من أي باب ولجت فأثرت حفيظته في علم أفنى فيه حياته ، فما بالك لو كذبته أو جادلته بناء على رأي سمعته من جاهل بالدين ، أو سمعته من عالم يفتي على مذهب مختلف .

أريد أن أنبه إلى أنني شرحت الأمر من وجهة نظري وتعمدت ألا أذكر آية أو حديثا أو رأيا فقهيا ، حتى لايظن أنني عالم أو طالب علم ، إنما أنا أكثر جهلا من كثير منكم ولكن عز علي أن أرى علماء لهم وزنهم وقيمتهم عجزوا عن الرد أمام محاور كل مالديه صوت عال وشبهات تم الرد عليها منذ مئات السنين ، أي من هؤلاء لن يصل علمه لشراك نعل واحد من خوارج الكوفة ، ولا لمسمار في نعل واحد من الأشاعرة ، هؤلاء لم يأتوا بجديد وعلم الكلام معروف وله أصوله وله علماؤه في الأزهر الشريف، ولو جلس واحد من هؤلاء مع أي منهم لألجمه بالحجة والبرهان في ثوان لأنهم أضعف من أن يقارعوا بالحجة .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s