أنت .. لست هبة النيل

أمس حضرت نقاش عن تربية الأولاد بين أناس من الذين يربون أولادعلى good boy ما يمعلش باد ثينجزززززز و هو بيلبس الشوز .. و كان الحوار هل نحن نربي أولادنا پاسلوب صحيح ، وهل يستطيعون مواجهة المجتمع بمثل هذه التربية ، وتباينت الآراء بين مؤيد و معارض و بين ظهور طائفة ممن يدعون أو يظنون أو يتظاهرون بأنهم ولاد (ناس) و تحولوا مع أول احتكاك للمجتمع إلى ولاد (جزم) كالذين يرونهم كل يوم في المجتمع و أصبح لديهم القدرة على معاملة كل من كان بطريقته ..

مثل هذا الحوار يكشف لي جوانب كثيرة لو أردت تفصيلها لما انتهيت من كلامي ..

و حيث أن جلوسي الآن يتراوح ما بين مقاهي الأسواق و المواقف ، و مقاهي البحر ، وقل أو ندر جلوسي في الأماكن الفايڤ ستارز رغم حدوثه أحياناً بدعوات كريمات مباركات تقلب المعدة من سماجتها وسخافتها ..

مقاهي المواقف والأسواق هي المقاهي التي تستطيع أن تجلس عليها بالخمس ساعات بكباية شاي و تفاصل الراجل في ربع جنيه ، أما إذا شربت شاي و قهوة والراجل قال لك أربعة جنيه و نص فأعطيته ستة جنيهات فتأكد أنك تحولت إلى باشا ، وفي المرة القادمة ولو كانت بعد مرور سنة فإنك ستحظى بترحيب يفوق ترحيب ضابط المباحث ، على الأقل سيكون أحسن من الترحيب بمحلب في معهد القلب.

نعود لتربية الأولاد ..

هذه السيدة الفاضلة تظن أن أبناءها سيواجهون نفس مجتمع الأطهار الأنقياء الذي نعيشه الآن …

صدقني نحن نعيش في مجتمع مملوء بالصلاح و التقوى .. مجتمع طاهر نقي .. مقارنة بما سوف يراه أحفادنا بعد ٢٠ سنة من الآن ..

سأحكي موقفاً ربما يراه البعض عادياً

المكان مقهى في المعمورة البلد ، الزمان مازالت الساعة تكتب أرقاماً لامعنى لها ..

مجموعة مكونة من ثلاثة أشخاص تجلس لطاولة على رأس الرصيف .

فجأة … خخخخخخخ تووووف .. تعال هنا ياد يابن الكلب .. بصوت لو سمعه نووووتي بوي لخرج برازه من أنفه ..

يأتي تكتك يقوده طفل لا يتعدى العشر سنوات
توقف بجانب الرصيف أمام الرجل .. مد يده سحب كوب الماء من الصينية قبل أن ينطق بكلمة وشرب الماء .. و أردف : عايز إيه يا خال
– هو أنا مش حاخلص من دوشتك انت وامك وخالتك بنت المرة الله يحرق د++ امكم عالمسا
* ياخال ما هو مش أبقى مكفي على *** أم المخروب ده من ستة الصبح لاتنين بالليل عشان تيجي شوية نسوان ******* تقعد كل شوية روح جيب خالتك من ابو قير ، و بعد شوية تعال ودي خالتك ، و احنا في السكة خالتي تفتكر كل مشاويرها عشان تخلصها و اقعد انا كل شوية أفهم إبن ش***** إني جاي أوصل خالتي مش جاي آخد شغل من حتتهم ، و في الآخر بعد مامشي تفتكر انها نسيت تجيب الدوا بتاع ستي اللي قالوا لها عليه وهي مروحة أرجع أخدها نجيبه من الصيدلية البعيدة عشان اللي جنبهم مسيحي ما بتشتريش منه و ارجع أنا الساعة اتنين يتمسح بي البلاط عشان ما رحتش البيت وديت الدوا وتليفوني فاصل شحن ….

هذا جزء من حوار يتكرر بين هذين الشخصين بصفة شبه يومية ، لو عندك تعليق منطقي يبقى انت راجل مش فاهم … لييييييه لأنك مش واخد بالك أن هذين الشخصين ومن يحضر هذا الحوار بدون أي انطباع هما مبرشمين و أنا الوحيد في القهوة اللي مش مبرشم فواخد بالي من اللي بيحصل ومن تكرر الحوار بحذافيره …

هل تستطيع أن تتخيل موقع هذا (الطفل) من المجتمع بعد عشر سنوات ، وكيف سيتعامل مع هذا النووووتي بوي…

كنت أستغرب بشدة تلك السماعات الرهيبة المثبتة في هذا الكائن المحتقر المسمى التكتك ، و كيف لولد في هذا العمر أن يحتمل أن (يعيش) يومه مع هذه القنبلة التي ما أن تمر حتى تسمع اهتزاز كل شيء محيط بك ، بل و الله أنني كنت أحياناً أشعر بألم في أذني و هو بعيد عني بضعة أمتار ، إلى أن تيقنت أن هؤلاء الأولاد أصلاً لا يشعرون بوجودها .. إنفصل تماماً عنها .. بدليل أنه يتحدث غالباً في المحمول دون أن يخفض الصوت ، بل و أن الولد بطل الحوار السابق وقف و أنهى حواره دون أن يخفضه أو يغلقه ، و دون أن يقول له خاله أو عامل المقهى أو أحد الجالسين أغلق هذا الصوت … لأن الجميع تعايش مع هذا الهراء على أنه جزء من أكل عيشه لا يجوز أن يتدخل فيه .. وبالتالي لا ينكره أحد .

تخيل معي ياصديقي .. هذا الطفل الصغير منفصل بالفطرة عن (المجتمع) ويعتبر نفسه سيد الموقف ، و الكائنات البشرية في محيطه ما هي إلا جزر منعزلة لا تجتمع إلا في المصائب التي هي من قبيل (عركة بينهم وبين عيال الحتة التانية) …

حتى إذا ما ارتقيت للأعلى أو نزلت هبوطاً للأسفل في سلم المجتمع .. تجد جزراً منعزلة لا يربط بينها في الظاهر إلا حب السيسي أو حب الإخوان – بالمناسبة هذا الحوار لا وجود له في مقاهي كفار قريش – و إلا فأنت غريب عن المقهى لأنك لاتعرف أن هذا المقهى للسائقين يتحدثون فيه عن مشاكلهم و نوادرهم و حوادثهم و أخبار المواقف ويقبضوا فيه الجمعيات ..

كل منا جزيرة منعزلة لا ترجو التواصل مع الأخرى ، و كلما ارتفعت في الهرم تجد من يسعى لفرض سيطرته على هذا الجزر دون حتى أن يقوم بأبسط واجباته بأن يعرف طبائع الناس و لا حاجاتهم أو أهدافهم .. و دون أن يفكر حتى في ذر الرماد في عيونهم بعطية أو هبة لا تصل لعشر معشار حقهم عليه…

كيف .. و كل منا يرى نفسه … هبة النيل

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s